لكلٍ منا طريقته في حفظ ماله لينمو  ويزيد، فمنا من يحفظه في بيته ومنا من يحفظه في البنك ، ولكلٍ منا هدفه من وراء هذا الحفظ، لشراء بيت، سيارة، للزواج، للحج، اختلفت الطرق والمسالك واختلفت الأهداف ولكنها تبقى دنيوية.
هل فكرنا في حفظ مالنا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون؟ ليوم نحتاج فيه لحسنة واحدة ترجح كفة الميزان لندخل الجنة؟ ماذا قدمنا لأنفسنا لغدها وليس ليومها ؟ ماذا ادخرنا من الصالحات والصدقات لتكون لنا نوراً تضيء طرقاتنا يوم لا نور إلا نور ما قدمنا من أعمالنا !
ما أعظم كلام النبيّ [ لما سأل الصّديقة عائشة رضيَ الله عنها: ماذا بقي من الشاة؟ فقالت : ذهبت كلها وبقيَ الكتف فقال بأبي هو وأمي ونفسي: بل بقيَت كلها إلا الكتف.
 
فماذا أذهبتَ وماذا أبقيت ؟ والنبيّ [ يقول: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله .. " فهل ينقطع عملك أنت أم أن له امتدادا حتى بعد رحيلك عن الدنيا ؟ لهذا يستثني النبيّ [  مما قاله ثلاثاً:.."صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" .
 
قد تكون صاحب علم أو لا تكون، قد يكون لك ولد أحسنت تربيته فأجزل لك الدعاء فكانت لك جبال من الحسنات في آخرتك وربما لا يكون كذلك ، وربما أعطيت صدقة قد تكون قليلة أو كثيرة ولكنها بقيت جارية في حسابك لا ينقطع فيضها إلى يوم القيامة.
 
مؤسساتنا في الحركة الإسلامية بحمد الله ،  فتحت لنا أبواب الخير نلج منها نحو الآخرة ، نحمل زادنا بفخر ليكون عوناً للفقراء والمحتاجين في الدنيا ونوراً  لنا يوم القيامة وظلاً نستظل به من حرّ الشمس.
 
لجنة الإغاثة الإنسانية عرفناها من خلال مشاريع كثيرة، مشروع كفالة الأيتام ، أصحاب القلوب الرحيمة، مشروع الأضاحي والعقائق والنذور، مشروع الحالات المرضية والطبية، مشروع الإغاثة العاجلة ، مشروع الحقيبة المدرسية   مشروع إفطارات رمضان وهدايا العيد ،ولكن مشروعها الأخير – مشروع المتر النامي - كان قمة المشاريع ، ولا أبالغ إن قلتُ أنه أفضلها ، فكم متراً اشتريتَ أخي الكريم ؟ وكم متراً اشتريتِ أختي الفاضلة؟
 
أترغب بالأجر والثواب والصدقة الجارية في حياتك وبعد مماتك ؟ فهذه لجنة الإغاثة تفتح لك باب الخير ، تدخل منه لتشارك في نعيم دائم !
 
لقد أعلنت لجنة الإغاثة عن انطلاق مشروعها الرائد الذي يهدف إلى شراء أرض وإقامة مشاريع صغيرة عليها لتأهيل عائلات الأيتام والمحتاجين استجابة لنداء الله في الاستخلاف في هذه الأرض ووجوب عمارتها بالزراعة والغرس والأبنية والعمل الصالح  ،لقد حرص الإسلام على تنمية الإنسان وتنمية موارده الاقتصادية ليعيش حياة هانئة كريمة مليئة بالانجاز والعطاء  ترتفع بالمسلم من حياة الكفاف إلى حياة الكفاية وتغنيهم عن ذل السؤال.
 
مشروع المتر النامي ذكرني بمشروع المجتمع العصامي الذي أعلنته قبل سنوات حركتنا المباركة ، وللتذكير فقط فإن الإعلان عن هذا المشروع كان عام 1998 وعلى أثر هبة القدس والأقصى عام 2000 زادت القناعة في لزوم البدء به لبناء الذات لفلسطينيي الداخل والتغلب على مخططات التهويد ولتغطية الاحتياجات اليومية لعرب 48، فكان بناء المؤسسات الأهلية من أجل توفير كل الخدمات الصحية والغذائية والتعليمية  والاقتصادية  والعمل على استثمار الأرض والمال والقدرات العلمية والتواصل مع الأمة الإسلامية والعالم العربي والشعب الفلسطيني والحاضر الإنساني.
 
مشروع يهدف إلى الإفلات بالشعب الفلسطيني من جبروت الحصار، ويعمل على تربية الناس على الاعتماد على الذات بعد الله سبحانه وتعالى وبناء مجتمع متكامل يملك مؤسساته وأمور حياته بيده، ويتحرر من حملات الضغط الواقع عليه . نما مشروع المجتمع العصامي، واتسع حتى أصبح يضم العشرات من المؤسسات والجمعيات التي تضم كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية، وإعمار المساجد، وصيانة المقدسات ومساعدة المعتقلين، وكفالة الأيتام والأسر ، وطلبة العلم.
 
وما لجنة الإغاثة الإنسانية إلا ثمرة ذلك المشروع العصامي  امتدت جذورها في أرض فلسطين لتنمو فروعها وتكبر وتمدّ بالخير والعطاء من يحتاج.
 
لقد انتقلت تلك المؤسسة المباركة من العمل الإغاثي المجرد إلى طور التنمية وإحياءً لسنة النبي [ في العمل الصالح ، فعزمت على شراء قطعة أرض لإقامة مشاريع صغيرة كمزرعة للأغنام وتأهيل العائلات لتربيتها والعناية بها أو إقامة دفيئة بلاستيكية مع مرافقة مهنية من قبل مهندس زراعي وطبيب بيطري  ليشكل مصدر دخل للعائلة لتعيش بعزة وكرامة ، لتساهم هذه المؤسسة الواعدة في بناء مجتمع يتحرر من الاعتمادية إلى العصامية يأكل مما يزرع ويلبس مما يصنع . وقد وضع رسول الله [ أرفع وسام على صدور العاملين حينما رفع يد أحد صحابته حين أحسّ خشونتها من أثر العمل الشاق وقال: "هذه يدٌ يحبها الله ورسوله" وقال [ "من أمسى كالاًّ من عمل يده بات مغفورًا له".
 
جاء رجل إلى النبي [ يسأله ويطلب منه مالاً، فقال له النبي [: أما في بيتك شيء؟ فقال الرجل: بلى، حلس (كساء) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقدح نشرب فيه الماء. فقال النبي [: ائتني بهما  فلما جاء بهما، قال النبي [: مَنْ يشتري هذين؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. فقال [: مَنْ يزيد على درهم؟-مرتين أو ثلاثًا-.فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين.  فأعطاهما إياه. وأخذ النبي [ الدرهمين، فأعطاهما الرجل الفقير، وقال له: اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا (فأسًا) فأتني به.
اشترى الرجل فأساً وجاء به إلى النبيّ [، فوضع له الرسول [ يدًا وقال له: اذهب فاحتطب وبع ولا أَرَينَّك (لا أشاهدنَّك) خمسة عشر يومًا.
ذهب الرجل يجمع الحطب ويبيعه، ثم رجع بعد أن كسب عشرة دراهم، واشترى ثوبًا وطعامًا، فقال له [ : "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكْتَةً (علامة) في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدْقِع (شديد)، أو لذي غُرْم مفظع (كبير)، أو لذي دم موجع (عليه دية)"رواه أبو داود.
 
ما أعظم هذه التربية لو فقهناها، ما أعظم الاعتماد على النفس في الرزق ولو كان قليلاً، قال [:"ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وأنّ نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده" رواه البخاري .
 
فالمسلم يعمل حتى يحقق إنسانيته، لأنه كائن مُكلَّف بحمل رسالة، وهي عمارة الأرض بمنهج الله الشامل، ولا يتم ذلك إلا بالعمل الصالح، كما أن الإنسان لا يحقق ذاته في مجتمعه إلا عن طريق العمل الجاد، وقد قال [: (لأن يأخـذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه) البخاري.
والمسلم لا يتوقف عن العمل مهما كانت الظروف، قال رسول الله [: ( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها) والذي يتوقف عن العمل مع قدرته على ذلك ظالم لنفسه لأنه سيعرِّضها لذل السؤال. وفي ذلك يقول عمر الفاروق رضي الله عنه: (لا يقعدنَّ أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة) .
 
هذه الصدقات تنمو ولكن ليس في بنوك ربوية وإنما نماؤُها عِنْدَ اللَّهِ ،قال تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}(البقرة 276).
 
وقال [: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعدلِ تمرةٍ مِن كَسبٍ طيِّبٍ ولا يقبلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّّيبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينهِ ثمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحبه كَما يُرَبِّي أَحدُكم فَلُوَّهُ حتَّى تكونَ مثلَ الجبَلِ).
 
فيا من أكرمك فأعطاك من ماله لا تبخل بإقراضه لتنعم في جنانه
  فالصدقة: تجعل الملائكة تدعو بالخلف عليك فتقول:"اللهم أعط منفقا خلفا"
  الصدقة: تعالج المرضى ،قال [   :(داووا مرضاكم بالصدقة) .
  الصدقة :تطفئ غضب الرب ,قال [  :(إن الصدقة تطفئ غضب الرب) .
  الصدقة: تمحو خطاياك،قال [: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) .
  الصدقة: تحمي عرضك وشرفك ,قال  [ : (ذبـُّوا عن أعراضكم بأموالكم) .
  الصدقة: تحسن ختامك ,قال [ : (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) وقال [:( ...وتدفع ميتة السوء) .
 الصدقة ظلك من اللهب، قال [: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس) .
  الصدقة: تفك رهانك يوم القيامة،قال [: ( من فك رهان ميت (عليه الدَين) فكّ الله رهانه يوم القيامة) .
  الصدقة: سترك من النار، قال [ : (يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة ,فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان).
 
فهنيئا لمن فقهَ وفهم هذه المعاني وسارع للمشاركة في مشاريع الصدقات الجارية وشراء الأمتار من الأراضي .
هنيئا  لمن قدم من دنياه لآخرته ، وعمل في دار الخراب لدار العمار.
وتذكر أن بصدقتك أو بالمتر الذي ستشتريه ستنقذ عائلة من التسول وذل السؤال. نحن نسعى أن يكون مجتمعنا عصاميا صالحا ، فإذا تكاتفت أيادينا كنا كذلك.
سارع لا تتردد فهدفك سام، وإخوانك ينتظرونك فلا تتأخر عليهم .

المراجع

الموسوعة الالكترونية العربية

التصانيف

مجتمع   الدّيانات