كلنا يتحدث عن الدستور، وهو العقد الاهم في بناء كل دولة. والدستور ليس نصوصا تنص على الحقوق والواجبات، وتحدد بنية الدولة الاساسية، بل هو مصدر الشرعية لكل السلطات. فالحكومة لها السلطة لأنها قائمة وفق الدستور، والرئيس يستمد صلاحياته وموقعه من الدستور. ويمتد هذا الى كل صاحب سلطة، لأن الدستور هو المنظم للعلاقات بكل انواعها واستحقاقاتها.
بعض من لا يعطيهم الدستور صلاحيات، ولا تعطيهم مواقعهم سلطات دستورية، يمارسون قفزا عن الدستور عبر ما يسمى سياسيا "التغول على سلطات الاخرين"، كما يمارسون نوعا من الاستغفال للاخرين عبر تضخيم مواقع ادارية متغيرة ليس لها دلالة دستورية. ويمنحهم هذه الفرصة تخلي اهل السلطات الدستورية عن صلاحياتهم، لضعف بنية سياسية او حسابات مصالح.
فالدستور حدد للدولة سلطات هي التنفيذية والتشريعية والقضائية، لكل منها صلاحيات وادوات وانظمة، وكل المواقع تنضوي تحت هذه السلطات. والملك رأس الدولة منحه الدستور حصانة؛ فهو فوق المساءلة، ويمارس صلاحياته عبر وزراء الحكومة. لهذا، فالدستور حصن الملك، لكنه لم يحصن السياسات الخاطئة التي تمارسها الحكومات، ليكون الوزراء بالتالي مسؤولين ومحاسبين.
ومعادلات السياسة داخل الدولة ليست اهم من نصوص الدستور؛ لهذا فالولاية على امور الدولة هي للحكومة المسؤولة عن الاجهزة التنفيذية. وهذا لا يتعارض مع الصلاحيات الدستورية للسلطتين التشريعية والقضائية، لكن الحكومة هي المسؤولة عن كل الادارة التنفيذية، وهي تعمل بتوجيهات الملك واوامره، لكنها محاسبة بموجب الدستور، تخضع للحساب امام مجلس الامة وامام الناس، وهذا ما يجعل من موقع رئيس الوزراء موقعا مهما جدا، ومن موقع الوزير سلطة سياسية تستمد قوتها من الدستور. اما المواقع الادارية الاخرى، في اي مكان من اوصال الدولة، فهي اما تتبع لسلطة الحكومة او لسلطات اخرى، لكنها ليست وصيا على الحكومة، وليست سلطة موازية، حتى وان كانت تمارس النميمة والعبث في جسد اي حكومة.
المشكلة هي عندما يدخل الى اوصال الدولة ومراكزها المهمة من لا يعرفون الدستور، ويعتقدون ان السلطة تكتسب بالكولسات وبناء الشلل، ويستعملون لتحقيق هذا كل ما لديهم من صلاحيات ادارية، بل ولا يترددون في تقديم مواقفهم وحركتهم وكأنها جزء من حركة مؤسسة الحكم! فإذا ارادوا مناكفة الحكومة مرروا ما يريدون وكأنه امر "من فوق"، بحيث يريدون خداع الرأي العام عبر الخلط بين مصالحهم ورؤى صاحب القرار.
الدستور رسم معالم الدولة، ومنح الصلاحيات لكل سلطة، وعندما يتم سلب او اختراع اي صلاحيات من اي سلطة لمواقع متغيرة او غير حقيقية، او لمناصب ادارية، فهذا أمر يحتاج الى تصحيح، ليس عبر الاوامر فقط، بل عبر ممارسة كل سلطة لصلاحياتها. فلا يجرؤ "اداري" على التغول على سلطة رئيس او وزير الا اذا كان الاخيران يفرّطان بالصلاحية. وعندما يرتضي نائب، مثلا، ان يتلقى رسالة توجيهات من رئيس وزراء، او ان تتلقى الحكومة رسالة توجيهات وتعليمات من موقع اداري، فهذا يعني ان هنالك خللا في فهم الدستور وتطبيقه.
عندما يعتقد اي رئيس حكومة ان عليه استرضاء موظفين في مواقع مهمة ليحافظ على بقاء حكومته فهذه مشكلة تحتاج الى علاج جذري؛ وعندما يصبح الوزير، وهو صاحب الموقع السياسي الاهم، مشغولا بالنجاح في ان يكون من جماعة فلان "صاحب النفوذ" غير الدستوري ليضمن عودته وزيرا، فنحن امام قضية شائكة.
الدستور الذي يقسم المسؤولون على الحفاظ عليه هو الضمانة الحقيقية لمسار سليم لأي دولة. والمسؤول الذي يتخلى عن صلاحياته وسلطاته التي منحها له الدستور لا يستحق ان يبقى في مكانه. والحكومة التي تكتفي بمقاومة التغول عليها بالغيبة والتذمر لا تستحق ان تبقى. اما محترفو خطف الصلاحيات وصناعة نفوذ غير دستوري لمواقع ادارية، فهؤلاء لا يمكن ان يكونوا مصدر اطمئنان عندما يتولون سلطات ذات صلاحيات دستورية، لأن الدستور بالنسبة لهم تراث وكتاب وثائقي، وليس مصدر الشرعية والسلطات ومنظم مسار الدولة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة