يشي الهجوم المضاد التي تشنه قوات النظام السوري على المعارضة السورية، بأن من الواضح وجود محاولة لإحداث تغييرات جذرية في موازين القوى الحالية، عبر دخول واضح ومباشر ومعلن لثلاثة أطراف جديدة مع جيش النظام السوري، هي فيلق القدس الإيراني، وقوات بدر العراقية، وحزب الله الذي أصبح طرفاً رئيساً يصطف إلى جانب النظام؛ هذا بالإضافة إلى الدعم الكبير، لوجستياً ومالياً وفنياً، الذي تقدّمه إيران للنظام.
ما يتلقّاه الثوّار من مساعدات غربية وعربية في مجال التسلّح والدعم اللوجستي شحيح وضعيف للغاية. وهم يعانون في الأصل نقصاً شديداً في الذخيرة والأسلحة في مواجهة الجيش السوري، أمّا الآن فالوضع أصبح أكثر صعوبة وتعقيداً مع هذا "التحول الاستراتيجي"، عبر دخول تلك القوات الجديدة بقوة، واستخدام الأسلحة غير التقليدية الفتّاكة؛ فكل ذلك يجعل من معركة الثوّار بما يملكون من إمكانات قليلة ومحدودة، تتجاوز الجيش السوري إلى مواجهة حقيقية مع إيران والقوى التي تدور في فلكها في المنطقة!
على الطرف الآخر، زاد من تردّد الدول الغربية وإحجامها عن تنفيذ تهديداتها بتغيير "قواعد اللعبة" عبر دعم المقاومة المسلّحة، إعلان جبهة النصرة ولاءها للقاعدة، في الآونة الأخيرة، ما عزّز من دعاية النظام السوري وحلفائه، وأحرج المقاومة المسلّحة، وأعطى الطرف الآخر هدية ثمينة لا تقدّر بثمن!
ربما هذا يقودنا إلى الاتفاقية التي وقّعها وزير الخارجية الأميركي ونظيره الروسي، وتحمل في طيّاتها تنازلاً واضحاً في الموقف الأميركي فيما يتعلق برحيل الأسد وإسقاطه كشرط مسبق لأي حلّ سياسي، كما تطالب المعارضة السورية، بل وإدخال النظام في الحوار السياسي، تمهيداً للانتخابات الرئاسية في العام المقبل، وهو عملياً ما ينسجم مع الموقفين الروسي والإيراني.
هذا وذاك يعكس أمراً جليّاً، وهو الفرق الواضح بين الأجندتين الروسية والأميركية في الصراع الدائر في سورية. فالروس يعرفون تماماً ما يريدون، ويعملون على تحقيقه، وتحتل سورية بالنسبة لهم موقعاً متقدّماً في تعريفهم لمصالحهم وأمنهم القومي، ولا يمزحون ولا يترددون عندما يتعاملون مع هذا الملف.
وعلى النقيض من ذلك الموقف الأميركي والغربي؛ فهو موقف متردّد غير واضح في تحديد وتعريف مصالحه الاستراتيجية فيما يحدث هناك، ولا حتى في الآليات والمراحل، بل هنالك انقسام شديد حتى في أوساط الإدارة الأميركية نفسها.
ما يعرفه الأميركيون جيّداً أنّهم لا يريدون الأسد، ويسعون إلى إنهاك جيشه والتخلص من ترسانته العسكرية، واستنزاف سورية، لإضعاف إيران، بما يخدم إسرائيل. لكنّهم لا يعرفون أبداً ما المطلوب منهم؛ فهم يخشون "القاعدة" في حال طال الصراع، ويخافون من اليوم التالي للأسد بفقدان ميزة "الأمن الإقليمي" الذي يوفّره لإسرائيل.
ما تقدّمه الدول العربية وتركيا بصورة غير مباشرة وخجولة للثوّار السوريين لا يقارن بحال من الأحوال بما يقدّمه حلفاء الطرف الآخر، ما يعني أنّ الثوّار أمام صعوبات شديدة في ظل التحولات الأخيرة!
الخطِر في الأمر هو التحول الكبير في الموقف الأميركي، وهو ما يدعو الثوّار إلى إعادة التفكير بصورة جديّة في المعركة مع هذه المعطيات الخطيرة، وإعادة التفكير بما يخفف المعاناة عن الشعب، ويساعد على تحسين شروط الوضع الداخلي سياسياً وعسكرياً. وأظن أنّ هذه الحقائق أدركها سابقاً معاذ الخطيب، عبر مبادرته التي نالت قسطاً كبيراً من الهجوم القاسي غير المنصف من الثوّار الآخرين!
هذا لا يعني التنازل عن حلم الديمقراطية والحرية والتحرر، لكنّه يعني ترتيب الأوراق، وعدم المسارعة إلى رفض الاتفاقية الروسية-الأميركية، إذا كانت في نهاية اليوم ستنقلنا إلى مرحلة جديدة بدون هذا النظام، وستساعد على وجود تدخل دولي كبير، وعودة اللاجئين، وإطلاق المعتقلين، وإجراء انتخابات حقيقية!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد