الدول العريقة التي بنت دولا ومؤسسات اعتمدت على البيروقراطية كنظام لضبط الامور ومنع تجاوز التعليمات والانظمة. فالبيروقراطية منظومة اجراءات لضمان حسن سير العمل والحفاظ على القانون.
لكن ما حدث في بلادنا العربية أننا أحدثنا تطويرا سلبيا على البيروقراطية والروتين، وأوجدنا نماذج ادارية جعلت المواطن يشتم البيروقراطية، ويرى فيها نظاماً للتعقيد, فلو افترضنا أن معاملة معينة تحتاج إلى ثلاثة تواقيع لضمان النزاهة، فإننا قمنا باضافة بيروقراطية سلبية، فالتواقيع الثلاثة مع اجراءاتها قد تحتاج يوما كاملا، لكننا جعلناها تحتاج الى عشرة تواقيع، والسبعة الاضافية حتى نجد عملا لموظفين جاءوا الى العمل دون ضرورة. وبدلا من ان تتم مراعاة وقت المواطن اصبحت المعاملة في عالمنا العربي تحتاج أياما لكسل الموظف، او رغبته في ممارسة وهم السلطة، ولم تعد البيروقراطية بصيغتها العربية ضمانا لحسن سير الامور، فهي اجراءات لا تعني ان القانون يطبق، بل تعني نهجا اداريا رديئا.
مقابل هذه المدرسة السلبية، هنالك مدرسة لها ذات التأثير السلبي، لكنها بحجة رفض البيروقراطية ومحاربة الروتين تؤمن بالعمل من دون قوانين او انظمة. احدهم إذا كان مسؤولا فهو القانون يصدر ما يشاء من اوامر وتعليمات، يعطي التراخيص والقرارات من دون مراعاة لأي اسس، والحجة الدائمة تسريع الاجراءات ومحاربة الروتين والبيروقراطية، واذا عجزت صلاحياتهم خطفوا صلاحيات من هم اكبر تحت عنوان التوجيهات او مصلحة الدولة او تطوير الاقتصاد وجذب الاستثمارات.
اذا كانت المدرسة الاولى من البيروقراطية قد الحقت ضررا بالناس وجعلتهم يرون في الاسس والقانون عقبة وتعطيلا لمصالحهم, فإنّ المدرسة الثانية هي الاخطر احيانا، خطورتها انها تجعل من القانون والاسس عائقا وعدوا، وتحاربه بحجة تسهيل الاجراءات، لكنه تسهيل تمرير امور قد لا تتوافق مع القانون.
عندما يكتب المأذون الشرعي عقد الزواج يطلب شاهدين وولي العروس والعريس فهذه ليست بيروقراطية بل التزام بالقانون الشرعي وحماية لحقوق طرفي عقد الزواج، فالمدرسة الاولى اشبه بمأذون شرعي يشترط خمسة شهود وموافقة عم العروس وخالها، وهذه مدرسة مرفوضة، اما المدرسة الثانية فتشبه من اعتبروا الشروط الشرعية عبئا وروتينا سيئا، وبحجة تسهيل الاجراءات كان عقد الزواج الذي يكتبه الشاب والفتاة وحدهما، سواء كان زواجا عرفيا او غيره, فالاول قد يعطل الزواج، لكن المدرسة الثانية تنتج علاقات غير شرعية ومشاكل كثيرة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة