يشارف الفريق الاقتصادي في الحكومة على الانتهاء من وضع سيناريوهات رفع أسعار الكهرباء، والمتوقع في موعد أقصاه بداية شهر تموز (يوليو) المقبل، على قاعدة الاتفاق مع المؤسسات المالية الدولية؛ لإقرارها من مجلس الوزراء، ثم عرضها على اللجنة المالية في مجلس النواب قريباً.
بالرغم من رفض نخبة في الأوساط الرسمية لفكرة التعويض المالي المباشر لرفع أسعار الكهرباء (بدعوى أنّها خارج التفاهمات الرسمية مع صندوق النقد الدولي)، إلا أنّ ثمّة سيناريوهات وتصوّرات لم تُعتمد بعد، لتعويض مالي؛ من بينها البطاقة الذكية، التي من المفترض أن تحتوي على القيمة المالية المباشرة البديلة لرفع أسعار المحروقات أو أسعار الكهرباء، للمستحقين.
وليس واضحاً بعد فيما إذا كانت الحكومة ستتمكن، في حال أقرّت البطاقة الذكية، من إنجازها خلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن قرار رفع أسعار الكهرباء، أم أنّها ستكتفي بتقديم دعم مالي مباشر، كما حصل مع أسعار المحروقات. وليس واضحاً بعد فيما إذا كان البرلمان، في سياق العلاقة المتوترة مع الحكومة، سيمرر مثل هذه السيناريو!
وفقاً لهذا السيناريو، فإذا كانت نسبة رفع تعرفة الكهرباء في حدود 14 %، كما هو مقرّر مع صندوق النقد الدولي، فيما الوجبات الأخرى من الرفع على مدار العامين المقبلين؛ فإنّ الفئات الفقيرة والوسطى التي ستتضرر من ذلك، سترتفع عليها قيمة الفاتورة بحدود 5 دنانير شهرياً (وفقاً لتقديرات اقتصاديين)، أو 60 دينارا سنوياً، يمكن أن تقدّم لهذه الشريحة بصورة مالية مباشرة، الأمر الذي سيكلّف الخزينة قرابة 50 مليون دينار، إذا أسقطنا هذه الإحصاءات على ما تمّ مع رفع أسعار المحروقات.
بالضرورة، تبدو مشكلة مثل هذه التقديرات أنّها تقفز على الشقّ الأهم في مسألة رفع أسعار الكهرباء، والمتمثلة (وفق خبير اقتصادي ومسؤول رفيع سابق) بالتضخّم الذي سينتج عن تغيير تعرفة الكهرباء، ومتوالية ارتفاعات الأسعار المتوقّعة، وما سيؤدي إليه ذلك من أضرار كبيرة على القيمة الشرائية للدينار، وحالة السوق المحلية، في ظل تقديرات، قريبة من أوساط القرار، بأن يرتفع معدل التضخم (مع هذا القرار) بمقدار درجة إلى درجة ونصف الدرجة. وتبدو المشكلة هنا أنّ معدل التضخم في ازدياد مطّرد خلال الأعوام الأخيرة (حالياً 7.2 %)، ما يؤثّر كثيراً على الطبقة الفقيرة، ويهدّد الطبقة الوسطى بدرجة كبيرة.
الحكومة لم تستطع تجاوز التفكير التقليدي في "التعويض المالي المباشر" إلى مناقشة بند "بدل التضخّم"، ومن المفترض أنّه بمثابة قيمة مالية تضاف إلى الرواتب لتكون قادرة على التكيّف والتأقلم مع التحولات الاقتصادية والمالية؛ فتقاس قيمة الارتفاع بمعدل التضخّم، ويحسب ذلك في زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، ويعوّض بالقيمة نفسها المستحقون في القطاع الخاص، أو على الأقل أن يحسب ذلك ضمن البطاقة الذكية المقترحة، وعدم الاقتصار على النتائج المالية المباشرة. 
بالضرورة، تبقى المعضلة (كما كتبت إحدى المعلّقات على مقال سابق لي) في أنّ الإدارة الاقتصادية ما تزال تتعامل بالطريقة اليومية، والحلول الجزئية والترقيع للمشكلات المالية، والتي بالرغم من الكلفة الباهظة التي يدفعها المواطنون فإنّها تتضاعف وتتضخم، ويزداد اعتمادنا على المساعدات الخارجية والقروض. وفي الوقت نفسه، فإنّ مشكلات البطالة والفقر وفجوة الحرمان الاجتماعي تزيد في هذا المسار المترديّ!
المشكلات الاقتصادية التي تضغط على عصبنا السياسي والاجتماعي، عابرة للحكومات، وأصبحت تمسّ أمننا الداخلي والسلامة الوطنية، وتمثّل أحد أهم مصادر القلق والأزمة. والشرط الأول لمواجهتها هو حكومة تمتلك رصيداً سياسياً توافقياً كبيراً، وقريبة من الشارع، وتمتلك قدراً من المصداقية والفعالية السياسية، وهو ما تفتقده الحكومة الحالية إلى الآن!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد