يكتب الصديق الدكتور يوسف ربابعة على صفحته الخاصة (على موقع فيسبوك): "أخشى أن يكون مفهوم الخليفة عند المسلمين هو من يحمل سوطاً للجلد أو حجراً للرجم". وهو في الواقع تخوّف مشروع ومبرّر، لما نراه من مشاهد وأفكار في الفضاء العربي العام، وما تقوم به جماعات منتسبة للسلفية الجهادية خصوصاً، أو حتى خطاب وأفكار لمنتسبي للسلفية عموماً!
بالضرورة، ليست السلفية كتلة صمّاء واحدة، فهنالك تيارات وأفكار متباينة، بل ومتضاربة في كثير من الأحيان، ما بين سلفية علمية (محافظة) تهتم بما تسميّه تصفية الدين من البدع والضلالات وما تعتبره ليس صحيحاً من السنة النبوية؛ وسلفية جهادية تؤمن بالسيف والعمل المسلّح في السعي إلى إقامة دولة إسلامية، على غرار إمارة طالبان؛ وسلفيّة حركية أقرب إلى المدرسة الإخوانية في العمل العام، لكنّها أكثر تشدّداً في الأحكام والفتاوى الدينية والموقف من الآخر (دينياً وطائفياً).
شهدت العقود الأخيرة انتشاراً وصعوداً للتيار السلفي في كثير من الدول العربية، وساهمت "الثورة النفطية" في الخليج العربي بصورة كبيرة في ذلك. إضافة إلى انخراط الإخوان المسلمين أكثر في الممارسة السياسية، متخلّين عن مساحة واسعة من دورهم الدعوي السابق، أو كان ذلك نتيجة الحصار الذي فرضته عليهم الأنظمة السياسية والقبضة الأمنية؛ ما أتاح للسلفيين مساحة واسعة في العمل الاجتماعي والدعوي، سواء فوق الأرض، كما هي حال السلفية العلمية، أو تحت الأرض كما هي حال الجهاديين.
عموماً، أصبحت السلفية اليوم لاعباً مهمّاً في المشهد الإسلامي. لكنّ الاهتمام الإعلامي بها بدا أكبر بكثير مع حقبة الثورات العربية الجديدة، بعد أن دخل السلفيون بصورة أكبر على خطّ السجال السياسي والإعلامي في العالم العربي، وأسسوا أحزاباً سياسية جديدة، في مصر واليمن وتونس، وأصبح الصوت السلفي مسموعاً أكثر، مع هامش الحرية الواسع الذي أتاحته هذه المناخات الجديدة.
حتى "الجهاديون" الذين كانوا يرفضون القبول بالعمل السلمي، بوصفه مضيعة للوقت وترقيعاً لـ"الأنظمة الجاهلية"، عملوا على "التكيّف" مع الحقبة الجديدة، عبر تأسيس ما يسمى بـ"جماعات أنصار الشريعة"، وردّ الاعتبار لـ"سلمية الدعوة"، لكن مع الإصرار على "رفض النظام الديمقراطي"، مع الإفادة منه، والدفع نحو تطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية.
وبالرغم من الاختلاف الواسع بين الأطياف السلفية؛ إلاّ أنّ "نفراً قليلاً" هم من يجرؤون على إعلان القبول التام بالنظام الديمقراطي وقيمه وركائزه المختلفة، وفي صلبها الالتزام بالتعددية السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية والمذهبية. إذ إنّ أغلب السلفيين، حتى من ولجوا العمل السياسي والحزبي، يتعاملون مع الديمقراطية بوصفها "نظاماً انتقالياً" (أفضل من الدكتاتورية)، ويجادلون بالتمييز بين الآليات (الانتخابات وغيرها) والقيم؛ فيقبلون الأولى، ويرفضون الثانية، مما يدفع بالتيار العلماني الواسع إلى القلق من هذا التصوّر للسياسة.
إلاّ أنّ "النسخة السلفية" التي ضمرت خلال العقود الماضية وتراجعت، بعد أن كانت الأكثر حضوراً وانتشاراً في النصف الأول في القرن العشرين، تتمثّل فيما نسميّه السلفية الإصلاحية أو العقلانية والوطنية، كما يطلق عليها؛ ومن روّادها الشيخ محمد رشيد رضا (صاحب مجلة المنار)، وابن باديس وغيرهما. بل إنّ المفكّر الجزائري المعروف مالك بن نبي، كان منحازاً لهذه النسخة السلفية في مواجهة الانحرافات والخرافات التي كانت تحدث باسم الصوفية.
في الأعوام الأخيرة، اقترب بعض الرموز في "تيار الصحوة" السلفي السعودي من هذه المدرسة، إلاّ أنّ هذه المقاربة ما تزال خجولة، وما تزال النسخة الأكثر عصرانية وقدرة على التطوّر والقبول بالديمقراطية والتعددية والاشتباك مع العالم ضامرة في المشهد السلفي العام!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد