صورة طريفة وتبعث على الابتسام تلك التي بثها التلفزيون لرئيس ديوان المحاسبة وهو يسلم تقارير السنوات السابقة الى رئيس مجلس النواب, والطريف اصرار ديوان المحاسبة على وضع التقارير في عبوات هدايا فاخرة تشبه (علب) الاوسمة والدروع، وكأن ما هو في هذه العلب جائزة او هدية، وليست ملفات للتجاوزات والفساد والاعتداء على المال العام والانظمة والقوانين.
وهذه الطريقة الاحتفالية والعلب الفاخرة التي توضع فيها تقارير ديوان المحاسبة مناسبة لمسار هذه التقارير، التي تدخل اروقة مجلس النواب ويجري الحديث عنها بعد سنوات من الانتهاء منها، واحيانا يجري تأخير التسليم سنوات ايضا، والمحصلة اننا امام تقارير ليست اكثر من ارشيف للفساد والتجاوزات. فمهمة الديوان هي التوثيق، اما من يتجاوز الانظمة والقوانين، ويمد يده الى المال العام عبر قرارات فلا رقيب ولا حسيب، والسبب بسيط ان عمل ديوان المحاسبة ليس ملزما لأحد، وحتى مجلس النواب صاحب الصلاحية في مناقشة التقارير فقد يقرأ التقارير وقد لا يفعل، اما التجاوزات فتبقى، بل ان من يمارس العبث والتجاوز (سيمد لسانه) سخرية من تقارير تتحدث عنه ولا تجد من يهتم بها باستثناء حفل تسليم التقارير.
التقارير طويلة، لكنني سأقتبس من مقال للزميل حسن الشوبكي نشره قبل ايام حول العبث في القطاع العام ويذكر مثلا فوضى التعيين في وزارة التخطيط قبل عام 2005؛ عقود دون اسس، وزيادات سنوية لبعض هؤلاء وصلت الى (400%)، وهؤلاء لم يستكملوا اجراءات التعيين ولم يقدموا خبرات وأوراقا, فالرواتب بالآلاف وكلها من مال الدولة في وقت كانت الزيادة للموظفين بعد رفع اسعار مشتقات النفط لا تزيد على (5) او (10) دنانير، وليست لكل الموظفين والمتقاعدين، والسؤال ما قيمة تقرير ديوان المحاسبة الذي يتحدث عن هذه التجاوزات مثلما يتحدث الحكواتي عن عنتر وعبلة والفتن في تاريخ الامة.
التقرير تحدث عن تجاوزات في امانة عمان، لكن من يدفع الثمن؟ انه المال العام، فهؤلاء يمارسون قراراتهم ويستفيد منها الكبار. اما المواطن فعليه الاستمتاع بقراءة التقرير في الصحف، ويلاحظ الابتسامات عند تسليمه من الديوان الى مجلس النواب.
داخل التقرير حكايات وقصص عن كثير من المؤسسات والدوائر، فقد تقرأ قصة المؤسسة الاستهلاكية المدنية مع الحليب حيث اشترت كمية لم يتم بيع الا 20% منها، لكن المؤسسة عادت للشراء من ذات النوع، طبعا ادارة المؤسسة لم تدفع الثمن من جيبها الخاص، بل من مال الدولة.
قبل ايام عندما كتبت عن منسف مأدبا الذي سيكلف (150) ألف دينار، ارسل احد القراء تعليقا قال فيه اننا يجب ان نركز على (100) مليون دينار ستقوم الحكومة باقتراضها لبناء سفارات ومنازل للسفراء، فالعبرة ليست في قيمة المبلغ الذي يتم انفاقه دون وجه حق، بل في العقلية التي تنظر الى المال العام ومدى حرصها عليه كحرصها على اموالها الخاصة, لهذا فليست حاجة الاردن والنزاهة الى تقارير توثق حالات تجاوز على المال العام والانظمة, ولسنا باحثين عن ارشيف لأفعال المسؤولين التي تستحق التحقيق والعقوبة, بل الى مؤسسات تعاقب, والى سياق يمنع المخطئ من الخطأ.
الديوان الآن هو ضمير، لكنه يأتي متأخرا سنوات، ومطالبته بإعطاءه صلاحية الضابطة العدلية قد تحقق نوعا من التطوير، اما استمرار الديوان بصلاحياته ودوره الحالي فلن يقدم او يؤخر في محاربة الفساد ومعاقبة المفسدين وضبط التجاوزات. ولولا ان الديوان موجود بنص دستوري لكان تغييبه مفكراً فيه، ولعل المتابع للقضايا التي تمت متابعتها قياسا الى القضايا التي تضمنتها التقارير يدرك محدودية تأثير هذه المؤسسة.
نحن على بعد اقل من ثلاثة اسابيع على انتهاء الدورة العادية لمجلس النواب، فإن من الواجب ان يتم اغلاق ملف قضية الكابسات، فجزء منها مرتبط بوزير سابق وحسم تحويله للقضاء من صلاحية مجلس النواب، وجزء لدى القضاء، وهذه القضية من تقرير سابق لديوان المحاسبة، وهي قضية تم الاعلان عن اسماء اشخاصها، ومن حقهم ان يتم حسم قضيتهم إما باتجاه اعلان براءة الوزير السابق وعدم مسؤوليته فهذا حق له، واذا كانت قناعة المجلس غير هذا فمن حق القضاء ان يذهب بالقضية الى آخرها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة