يكرِّس الخطاب الأخير لحسن نصرالله (زعيم حزب الله)، ويعزّز، السقوط المدوّي للحزب في الأزمة السورية. وهو يمثّل أوّل اعتراف واضح من قيادة الحزب بتورطّه في المشاركة المباشرة والعلنية إلى جانب النظام الدموي هناك ضد فصائل الثورة المسلّحة، وتورطه في التطهير المذهبي، وفي حصار القصير وقتل المدنيين والأبرياء.
الحجج التي يسوقها "السيد" تبدو متهاوية هشّة ضعيفة، مهما حاول الالتفاف والاستدارة على البعد الطائفي المذهبي في مواقف الحزب وتبعيته لإيران؛ فسيبقى هذا البعد صارخاً وسافراً في كل ما يحدث، ابتداءً من موقف الحزب من الاحتلال الأميركي للعراق، وهو موقف متماهٍ منسجم متناغم مع الموقف الإيراني وحلفائه القوى الشيعية الأخرى التي هادنت الاحتلال، تمهيداً لاحتلال من نوع آخر؛ إيراني، ومروراً باجتياح الحزب بيروت في العام 2008، كما موقفه من أغلب الأحداث الإقليمية، وصولاً إلى الطامّة الكبرى في الثورة السورية، ثمّ هذا الانزلاق الأخير!
قيمة حزب الله استمدها ليس من انتصارات عسكرية صرفة، وإلاّ فإنّه تكبّد خسائر فادحة خلال المواجهات مع إسرائيل؛ وإنّما جاء ذلك من البعد الرمزي والإعلامي والسياسي. ولولا احتضان الشارع العربي لدور الحزب، لمّا حصل هو وأمينه العام على هذه الصورة التي تهشّمت تماماً في السنوات الأخيرة، التي من الواضح أنّ بوصلة الحزب وبندقيته تحوّلت فيها إلى جهات أخرى، سواء في لبنان أو في سورية!
المفارقة أنّ الحزب بدأ يستخدم الذرائع نفسها التي اهترأت في الآلة الإعلامية للأنظمة العربية خلال العقود الماضية. فبدعوى "المقاومة" يمكن أن تستبيح شعباً كاملاً، وتقتل وتعتقل وتهجّر وتقصف وتحتل، فـ"السيد" يحذّر من أنّ هزيمة نظام الأسد ستعني "ذهاب المنطقة" بأسرها، وضياع فلسطين"! 
لماذا لم نسمع مثل هذا الخطاب عندما تمّ احتلال العراق من قبل الأميركيين (والحال مختلفة اليوم؛ فنحن أمام ثورة تلبّست بالعمل المسلّح، بعد أن اضطر إليه الناس دفاعاً عن أعراضهم وأرواحهم)؟! هل يمكن تفسير هذا "التضارب" في الموقف من غير البعد الطائفي والتبعية للسياسة الإيرانية؟!
لا يمكن إنكار وجود تكفيريين وفوضويين ومسلّحين، وأخطاء كبيرة في الثورة السورية، وهي الذريعة التي يتعكّز عليها خطاب نصرالله، لكنها لا تختزل أبداً زوايا الرؤية. فما ذكره نصرالله هي فقط تداعيات ونتائج لحكم دموي قمعي يعتقل شعباً كاملاً؛ فيفتك بشعب هُجّر وذُبح، ويقصف بالطائرات وبالأسلحة المحرّمة، ويمنع تنفس هواء الحرية والديمقراطية!
أيّ "مقايضةٍ" تلك ما بين الحق في الحرية والتحرّر والكرامة والديمقراطية، وما بين الدكتاتورية والعبودية والإذلال باسم المقاومة وفلسطين! فهل تحرير فلسطين مرهون بـ"تصنيم الحكام" وتركيع الشعوب لهم؟!
خطاب نصرالله الأخير لم يُبقِ مجالاً للحزب للاستدارة أو العودة أو الاستدراك، وأسّس فيه لمرحلة خطرة وصعبة، تسودها الريح الطائفية والمذهبية. وهو تحطيم كامل لصورة الحزب التي تمكّن من رسمها خلال الأعوام الماضية، فسقطت سريعاً في أشهر قليلة!
ما حذّر منه نصرالله من مستقبل مرعب هو نتاج الدموية الهائلة التي أغرق فيها النظام السوري المنطقة، ودخول حزب الله إلى جانبه يمثّل التطوّر الأخطر الذي قد يذهب فعلاً بالمنطقة ولبنان نحو الهاوية، ويقودنا إلى مرحلة أسوأ، بعد أن كانت صورة الحزب في الشارع العربي، بحد ذاتها، رادعا من مثل هذه الروح الطائفية الخطرة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد