تحليلات اهل الاقتصاد حول التأثير المحدود لخدمة العلم بشكلها الجديد على مشكلة البطالة تحليلات دقيقة. فثلاثة اشهر تتوزع بين التدريب العسكري والمهني ليست حلا لمشكلة البطالة. لكن ما يجب الانتباه اليه ان الهدف الاساس من خدمة العلم الجديدة ليس اقتصاديا، وليس لتعليم الشباب والشابات مهناً، بل هو هدف تربوي تثقيفي، ولتشكيل قناعات لدى الشباب الاردني تجاه اسلوب الحياة، ومحاولة التأثير على انماط السلوك السلبية.
وعلينا ان نعترف ان قطاعات ليست قليلة من الشباب دخلت حيزا من الثقافة واساليب الحياة التي لا تخلو من العبث واللامبالاة، وعلاقات بعض هذه القطاعات مع القضايا العامة، سواء الوطنية او الخارجية، اما مقطوعة او غير ناضجة. وهنالك قطاعات من الشباب غارقة في الشكليات، وموديلات قص الشعر، وشكل مقدمة الحذاء، ونوع خصر البنطلون؛ "ساحل" ام لا! وجزء من شبابنا لا يعرف الا اسماء المطربين والمطربات والممثلين، غرفه متخمة بصور الفنانات، وبعضهم لم يسمع بالكثير عن بلده ودولته. وهنالك، طبعا، قطاعات من شبابنا ذات مضمون كبير، وثقافة عالية، واهتمام بقضايا وطنهم وامتهم.
والحكاية هنا ليست خاصة بالفقير والغني؛ فضعف البنية الثقافية، وعبثية الاهتمامات، يمارسها الغني بطريقة والفقير بطريقة، لكن المحصلة واحدة، وتتعلق بالثقافة والاهتمامات والمضمون.
ولعلها ليست المرة الاولى التي اشير فيها الى ان الدافع الاساس لفكرة خدمة العلم هو الجانب التأهيلي لشخصيات الشباب وليس الجانب الاقتصادي، ولهذا جاءت لمدة ثلاثة أشهر، بحيث لا تؤثر على دراسة الشباب، ولا سعيهم إلى فرصة العمل. وجاءت المدة بشكلها الاساس عبر التدريب العسكري في القوات المسلحة، وهذا كفيل بأن يعوّد الشباب الاردني على نمط جاد في الحياة، ولو لفترة قصيرة. فمن جرب الخدمة العسكرية يدرك ان هذه المدة تترك اثرا ما على شخصية الانسان، لأنها أشهر من الرجولة والجدية، وصقل الجسم والشخصية. ونتوقع ان يكون خلال هذه المدة برنامج ثقافي موجه، يساهم في تزويد الشباب ببعض ما يحتاج من المعلومات والثقافة.
اما التدريب المهني والتوجيه نحو العمل المهني فهو امر قد يستفيد منه الشباب الذين لا يحملون تأهيلا علميا بشكل اساسي. وقد تكون الأشهر الثلاثة فرصة للشباب ليكوّن قناعة بأن يتعلم مهنة وحرفة؛ وربما يمتد هذا التأثير حتى الى فئات الشباب من حاملي الشهادات الاكاديمية.
ايا كانت التفاصيل، فإن فكرة خدمة العلم مهمة وضرورية في صقل شخصيات شبابنا. لكن ما نتمناه هو ان تمارس المعايير ذاتها على جميع الفئات من دون واسطة، أي لا تأجيل او دلال لمن له واسطة. ونتمنى ان تغيب كل انواع التدخلات، وان لا نصل يوما الى ان تفكر اي حكومة بالبديل المالي الذي كان ايضا خلال الخدمة السابقة. ونتمنى ايضا ان تكون الاعفاءات محدودة جدا، ووفق اسس موضوعية؛ فلا واسطة توفر تقريرا طبيا، ولا معايير تجعل من السهل على البعض الحصول على استثناء واعفاء او غيرها من الامور التي تفقد الفكرة جوهرها.
عندما نضع شبابنا امانة في ايدي رجال القوات المسلحة فهذه خطوة ايجابية. واذا كان ما يرافق التدريب العسكري من برامج مهنية وثقافية موضوعا بشكل علمي، فإننا قد نحصل على الحد الاقصى من الفائدة المرجوة من هذه الفكرة، فالشاب يخرج بشخصية اكثر جدية، فنتخلص -ربما- من نسبة معقولة من الظواهر السلبية التي نشاهدها في قطاعات شبابنا، والتي تجعلنا نحتار احيانا في تحديد جنس الشاب؛ اهو ولد ام بنت، نتيجة التداخل والتشابه في الموضة واللباس والحركات واشياء اخرى!
خدمة العلم ليست معسكرات بل حالة ثقافية تربوية، واذا تم التعامل معها من الجهات المعنية بشكل مؤسسي، ووفق برامج موجهة تحترم قدرات الشباب ومؤهلاتهم، ومن دون استثناءات او واسطات، فإننا سنكون امام خدمة كبيرة تقدمها الحكومة للمجتمع الاردني وشبابنا، ليس الان فقط بل لسنوات وعقود قادمة.
خدمة العلم ليست لصناعة جيش ومقاتلين، او لحل مشكلة البطالة، بل هي اداة لتكوين توجهات جادة لدى الشباب، ومحاولة التأثير في اولوياتهم، وتشكيل ثقافة نحو العمل المهني، وفتح الابواب امامهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   الصحافة  سميح المعايطة