تشعر نخبة واسعة من السياسيين المخضرمين بأنّ الدولة تورّطت بالصلاحيات والسلطات الواسعة التي منحتها للبرلمان، من خلال التعديلات الدستورية، وعبر الحديث عن "الحكومات النيابية"! وتجادل نخبة من السياسيين بأنّ التركيز كان يفترض أن يتجه نحو "القصة الاقتصادية"، التي تمثّل المصدر الحقيقي للقلق والأزمات الداخلية!
لن نناقش هذه الدعوى، وفيما إذا كنا نستطيع بالفعل الفصل بين الأزمتين السياسية والاقتصادية، إنّما يقودنا ذلك إلى طرح "سؤال مفتاحيٍّ" لمعرفة فيما إذا كانت "المناكفة البرلمانية" للحكومة، المستمرة خلال الأشهر الماضية، من عمر البرلمان، تعيد صوغ صورة هذه المؤسسة الدستورية في الشارع، وتردّ لها الاعتبار؟
 بالضرورة، ليس من السهولة الإجابة عن هذا السؤال، وربما يتطلب الأمر استطلاع رأي يجريه مركز الدراسات الاستراتيجية، لمقارنة آراء الناس بهذه المؤسسة، فيما إذا حدثت تغيّرات أم لا؟، إلاّ أنّ ما يظهر في الأوساط السياسية والحزبية من جهة، أو من نقاشات على شبكات التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، لا يشي بأنّ الصورة بالفعل تغيّرت.
بل هنالك توافق بين أغلب المراقبين والمحلّلين على أنّ ما هدّأ من روع الشارع خلال الفترة الماضية، وساهم في تراجع الحراك يكمن بصورة رئيسة في أمرين، الأول تداعيات الثورة السورية، وأخطرها قلق الناس مما قد تحمله رياح التغيير، والثاني الأزمات والمشكلات التي دخلت فيها دول الربيع العربي، وأثّرت على الاستقرار الأمني والجانب الاقتصادي، لا قناعة الناس بتحقيق مطالبهم الإصلاحية. صحيح أنّ نسبة كبيرة من النواب جاءت مندفعة تحمل "ثأراً" تجاه الصورة النمطية عن المجلس، تحاول الانقضاض عليها، وإثبات أنّ التجربة الجديدة مختلفة، وأنّنا أمام معادلة مغايرة تماماً للمرحلة السابقة، يتمتع فيها البرلمان بالاستقلالية والنديّة تجاه السلطة التنفيذية. لكن ربما هذه "الروح" التي حكمت النواب ساهمت في بروز "مزاج" المناكفة والنزعة الشعبوية الاستعراضية على حساب المسؤولية الدستورية والشعبية الحقيقية للمجلس. ما هو أسوأ من هذا وذاك أنّ مشهد قُبّة المجلس تمّ اختطافه، من قبل مجموعة من النواب المحافظين، المعادين للإصلاح، الذين يتربصون برئيس الحكومة لأسباب شخصية، وفي طور المناكفة والمشاغبة، فطغت صورة البلطجة والاستقواء والخطاب العبثي غير المقنع، الذي تعوزه المصداقية المفقودة أمام الرأي العام، بسبب "الصورة النمطية" عن هذه المجموعة، التي لا تعطي أي انطباع بجديّتها بالدفاع عن مصالح الناس، بقدر ما أنّ الموضوع اتخذ طابعاً شخصياً، وربما كاريكاتورياً في أحيان!
ربما ذلك يقودنا إلى ما بدأنا به من دعوة نخبة من السياسيين لنشاركهم التساؤل؛ هل المعضلة الحالية ناجمة عن "الجرعة الزائدة" من الصلاحيات والسلطات والنفخ السياسي والإعلامي الذي منُح لمجلس النواب، فجاء بوصفهِ "ثمرة الإصلاحات"، أم أنّ جوهر المشكلة يتمثّل في أنّ هذه الجرعة ذهبت في الاتجاه الخطأ، بسبب قانون الانتخاب، الذي جاء بنسبة كبيرة من النواب المحترمين، لديهم دافع كبير لتغيير صورة المجلس، لكنّهم غير مؤهّلين للقيام بالدور المطلوب!
بعض السياسيين يطرح السؤال السابق بصيغة أخرى، فيما لو كان الإخوان المسلمون تحت القبة، مع قوى سياسية أخرى، هل كان المشهد سيتغيّر؟ أي سيصبح التعامل مع قوى سياسية ناضجة لها حضورها في الشارع، رغم أنّها معارضة، ما يخلق توازناً حقيقياً واقعياً بين السلطات؟ وهل كانت الصورة ستتغيّر لو كانت الدائرة الانتخابية هي "المحافظة"، لا الدوائر الصغيرة، فينال هذه الصلاحيات الجديدة نواب أكثر تأهيلاً، وربما السؤال الأكثر أهمية: هل تتحمّل الدولة مجلس نواب قويا وفاعلا أم أنّ المشكلة الحقيقية أنّ "مطبخ القرار" لا يتحمّل (في نهاية اليوم) مجلساً يأخذ مهمته الدستورية على محمل الجدّ؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد