بالرغم من النجاح الذي حققه الإصلاحي حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، إلاّ أنّه جاء في وقت متأخر على الصعيد الإقليمي، ما يجعل من إمكانية الاستدارة والتغيير في السياسة الإيرانية، وتحديداً على صعيد الملف السوري، أمراً صعباً للغاية. فلو أنه جاء في بداية الثورة، لكانت المعطيات المتاحة أمامه منحته مساحة أكثر رحابة، كما مرونة أكبر!
بالضرورة، يضاف إلى هذا وذاك أنّ رئيس الجمهورية الإيرانية، عموماً، ليس طليق الحركة، ولا الرجل الأول في النظام السياسي؛ إذ ما تزال السطوة الكبرى للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، إضافة إلى وجود مؤسسات عسكرية وسياسية تلعب دوراً كبيراً في تعريف مصالح إيران القومية، وتحديد إحداثيات أمنها القومي.
مع ذلك، فإنّ وصول شخصية مثل روحاني يمثّل فرصة جيّدة لإعادة فتح باب الحوار مع إيران؛ الجار الإقليمي المهم والحيوي، والذي لا يمكن القفز عنه في بناء أمن إقليمي متين، كما هي الحال أيضاً فيما يتعلق بتركيا.
العرب أضاعوا سابقاً فرصة الحوار مع الرئيس محمد خاتمي، الذي فتح يديه للدول العربية خلال فترة حكمه، وحاول ترميم العلاقات معها والوصول إلى تفاهمات حول الملفات الشائكة الرئيسة، وأنهى عملياً مشروع تصدير الثورة الإيرانية. لكنّ الأبواب الرسمية العربية سُدّت أمامه، واتخذ العرب سياسة عدائية واضحة تجاه إيران. وكذلك فعل الغرب فيما يتعلّق بالموقف من الملف النووي. وهو ما أضعف الرجل داخلياً أمام الهجمات المستمرة التي كان يتعرض لها، ومعه قيادات التيار الإصلاحي، بما أدى لاحقاً، بعد احتلال العراق، إلى وصول الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، الذي أعاد مشروع تصدير الثورة بصورة جديدة ومختلفة عما سبق، مستخدما ما يمكن أن نطلق عليه "العامل الشيعي" في السياسة الإيرانية؛ أي استخدام الأقليات الشيعية في سبيل تحقيق المصالح القومية الإيرانية.
اليوم، يجد روحاني نفسه أمام مرحلة معقّدة خارجياً؛ فإيران ألقت بثقلها كاملاً وراء النظام السوري، وتمثّل داعماً مطلقاً لحكومة نوري المالكي في العراق، فضلاً عن أنّها سارت باتجاه التأزيم مع الدول العربية، بل ووصلت مرحلة أقرب إلى كسر العظم معها.
ماذا يمكن أن يغيّر روحاني في الوقت الضائع؛ بعد أن شعر الإيرانيون وحلفاؤهم، مثل حزب الله، أنّهم حققوا انتصارات استراتيجية في سورية، ليس من السهولة التخلّي عنها، فضلاً عن أنّهم الحليف الاستراتيجي لمصالح القوى الشيعية في المنطقة؟ إذ لا يستطيع الرجل التخلّي عن هذه المصالح أو التنازل عما يعتبر "مكتسبات"، وسيواجه في الوقت نفسه التيار المحافظ الذي سيكون شرساً معه في الداخل!
هذا لا يعني أنّ روحاني سيكون خالي الوفاض، أو أنّ عملية الإزاحة في السياسة الخارجية أمر مستحيل. لكن أحد شروط نجاحه هو تغيير في الذهنية الرسمية العربية تجاه إيران، ومساعدة الرئيس الجديد على الوصول إلى صفقات وتسويات سياسية، والتحول من دور القطب الخصم إلى الوسيط لمواجهة الأزمات الإقليمية، سواء في سورية أم في العراق، أو حتى في لبنان والبحرين.
هذه فرصة تاريخية مهمة. وربما ما يجب ذكره هنا أنّ الزميلة الباحثة المتميزة في الشأن الإيراني، د.فاطمة صمادي، كانت أول من توقع في بدايات الثورة السورية لجوء "الدولة العميقة" في إيران إلى رئيس إصلاحي لإعادة هيكلة سياستها الخارجية مع دول الجوار.
تبقى هذه فرضيات نظرية إذا لم تعد الدول العربية النظر في موقفها تجاه إيران، بما يخدم مصالح الجميع، ويجنّبنا نار النزعة الطائفية الخطرة التي تهدّد بإغراق المنطقة في بحر من النزاعات والمشكلات، والتطرف والعنف والظلام!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد