طرح الملك في خطابه في حفل تخريج جامعة مؤتة العسكرية، أول من أمس، قضية جدلية مهمة، تتمثل في ربط العشائرية بالعنف الجامعي والمجتمعي. وهو ربط وإن لم يجرِ الحديث عنه علناً وصراحةً، إلاّ أنّه بمثابة الفكرة المهيمنة تماماً على تحليل تيار واسع من النخبة السياسية في عمّان.
الملك رفض هذا الربط، مذكّراً بأنّ البنية العشائرية هي مكوّن أساسي في المجتمع، ولا تقتصر على شريحة اجتماعية بعينها؛ والأهم من ذلك أنّ أبناء العشائر الأردنية لعبوا دوراً تاريخياً محورياً في بناء المؤسسات الوطنية الأردنية، خلال العقود الماضية من بناء الدولة.
إذا انطلقنا من الإقرار بذلك، تغدو الأسئلة التالية هي: ما السبب في انفجار العنف الجامعي والاجتماعي الذي يستند إلى "عصبيّات عشائرية" وإقليمية وجهوية؟ ما الذي حدث للعشيرة الأردنية؛ هل أصبحت هي فعلاً من "يستقوي" على الدولة، أم العكس تماماً؛ أي تفكّكت وتراجع دور القيادات التقليدية لصالح "مجموعات طارئة"؟ هل العشيرة هي المسؤول عن الانقلاب على الدولة أم العكس هو الصحيح؛ أي أنّها "ضحية" التحولات الاقتصادية والسياسات الرسمية؟!
نحتاج، بالفعل، إلى تحليل ما الذي حدث خلال السنوات الماضية في العلاقة بين الدولة والعشيرة من خلال قراءة موضوعية دقيقة. فهنالك شطر مهم في ذلك، كما يجادل د. موسى شتيوي (مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، والخبير الاجتماعي)، يرتبط بالخصخصة والسياسات الاقتصادية التي هشّمت البنية العشائرية نفسها، وأدّت إلى تصدّعها، وتراجع دور القيادات التقليدية، وبروز الظواهر الجديدة على أنقاض هذه البنية، لا العكس!
بالضرورة، لا يمكن تجاهل هذه التحولات الاقتصادية البنيوية. إلاّ أنّنا في المقابل لا يمكن أن نقفز عن الدور الكارثي التدميري الذي أدّته السياسات الرسمية خلال السنوات الماضية، وانتهى إلى الارتباك الكبير في "رسالة الدولة"، ثم في علاقتها بالعشائر والأفراد على السواء!
الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها السياسات الرسمية هي أنّها حكّمت المنظور الأمني في إدارة الشأن العام. وهو المنظور الذي يعتمد على مبدأ "الولاء السطحي" الساذج، على حساب معايير الكفاءة والأبعاد الاجتماعية والثقافية المختلفة؛ ففي الوقت الذي كنّا نخصخص الاقتصاد، فإنّنا أمّمنا السياسة.
في نهاية اليوم، تمّ إحلال شخصيات طارئة موالية للسياسات الرسمية على حساب القيادات العشائرية التقليدية المستقلة، واقتحم المنظور الأمني عملية التعيين في المؤسسات المختلفة؛ التعليمية والخدماتية، تارة لاسترضاء النواب والوجهاء، وتارةً أخرى لتجنيد أبناء العشائر في مواجهة المعارضة الإسلامية، وتارةً ثالثة تحت وطأة المصالح العشائرية والجهوية الضيّقة، التي أصبحت عاملاً مهمّاً في الإدارة العامة.
ومن ثم، حدث التراجع على مختلف المستويات، التعليمية والإدارية والخدماتية، وحتى في العلاقة بين الحكومة والبرلمان، تحت وطأة قانون الصوت الواحد، وبفعل الدوائر الجغرافية الصغيرة. كل ذلك جاء وفقاً لحسابات المواجهة مع "الإخوان"، لكنّنا في الوقت نفسه كنّا نوجّه ضربات قاصمة قاضية لمفهوم الدولة نفسها وصورتها ورسالتها وعلاقتها بالعشائر، وللبنية العشائرية ذاتها؛ فنحن من أعاد تصنيع دور العشيرة من المنحنى الإيجابي الذي ساد في التاريخ، إلى المنحنى الكارثي الحالي.
ربما هذا يقودنا إلى فرضيةٍ الربط بين قراءة د. شتيوي ودور السياسات الرسمية؛ أي إنّ المسؤول عن الوضع الراهن ليست البنية الاجتماعية العشائرية، التي عملياً تهشّمت وتصدّعت؛ وإنّما هي السياسات الرسمية التي خلقت معايير وقيما خاطئة سلبية، تراكمت على مرّ السنوات، وندفع ثمنها اليوم.
السؤال الأكثر أهمية: هل تريد الدولة حقّاً تغيير هذا المسار الخطر؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد