خلال الأشهر الماضية، وعلى وقع الضربات الموجعة التي تلقاها رئيس الوزراء، د.عبدالله النسور، من البرلمان، والعداوة الشرسة التي أظهرتها مجموعة من النواب نحوه شخصياً، ومن ثم اللغط الذي صاحب تعهد الرئيس بتوزير النواب، وتآكل القاعدة البرلمانية التي كانت تمثّل داعماً للنسور خلال الفترة الماضية، فقد عزز كل ذلك الانطباع بأنّ الحكومة بدأت بالهبوط التدريجي، وأنّها لا يمكن أن تكمل مع مجلس النواب الحالي في ظل العلاقة المتأزمة الراهنة.
بخلاف هذه القناعة (السائدة في أوساط سياسية وإعلامية واسعة)، يجادل فريق من السياسيين بأنّ حكومة النسور تشهد أفضل أوقاتها، وأنّ أسهم الرئيس لدى المراجع العليا مرتفعة، بل هو في وضع أقوى فيه من الشخصيات الأخرى في "السيستم"، وأنّ عمر حكومته لم يتحدّد بعد.
يحاجج هذا الفريق بأنّ الرئيس استطاع أن يقوم بما لم يستطع أن يقوم به أي رئيس وزراء سابق؛ إذ اتخذ خطوات بقيت مؤسسات الدولة تقدّم رِجلا وتؤخّر أخرى، منذ سنوات طويلة، غير قادرة على الإقدام عليها، مثل تحرير أسعار الوقود، ورفع تعرفة الكهرباء، ولم يُلق النسور بالمسؤولية – تصريحاً أو تلميحاً- على عاتق غيره، ولم يحل القرار إلى "فوق"، بل أصرّ على حمل العبء كاملاً وحده. وقد تمكّن بالرغم من الخسائر الرمزية والجانبية، هنا وهناك، من اجتياز مرحلة دقيقة وصعبة، سواء على الصعيد الاقتصادي، أو حتى على الصعيد السياسي، ولم يتعثّر بفريقه الحكومي، ولم يدخل في صدام مع مؤسسات الدولة الأخرى، كما يرى أصحاب هذا الرأي.
وبالرغم من أنّ هذا الفريق يعترف بأنّ الرئيس وقع في زلاّت متعدّدة، مثل الوعد بتوزير النواب، أو حتى سوء إدارة أزمة معان، وتسويفه ومماطلته في معالجة بعض الملفات، إلاّ أنّ هذه السلبيات لا تقارن بالأزمات والمشكلات والسلبيات الأخرى التي كان رؤساء وزراء سابقون يتورّطون فيها، بل ويورّطون معهم "السيستم" بأسره، فيدخلون أنفاقاً لا يستطيعون الخروج منها، ثم يبدأون بإلقاء المسؤولية على غيرهم!
لا يقف هذا الفريق عند السؤال الأخلاقي أو القيمي في شخصية الرئيس؛ أي إنّ معيار الحكم والتقييم ليس فيما إذا كان الرئيس إصلاحياً أم لا، وفيما إذا كان صادقاً أم مراوغاً، أو منسجماً مع ما كان يطالب به سابقاً أم لا؛ بل يقرّ هذا الاتجاه بأنّ الرجل يقع في أقصى سلّم البراغماتية السياسية، وأنّه مراوغٌ بارع، يتقن الحيل السياسية، بل هو أحد دهاقنة السياسة الأردنية.
إنّما المعيار الذي يحتكم إليه هذا الفريق في تقرير عمر حكومة النسور، أو علاقته بـ"مطبخ القرار"، هو مستوى الخدمات التي قدّمها لـ"السيستم"، بحسبة الكلفة والمنفعة، وسيكون الرجل هو أفضل رئيس وزراء مقارنة برؤساء الوزراء السابقين، قياساً إلى الفترة الحرجة التي جاء فيها، سواء خدمه الحظ أم لا!
وتأسيساً على هذه المرافعة، فإنّ هذا الفريق يرى أنّه من المبكّر الحكم بأنّ الحكومة بدأت بالهبوط وأنّ الرئيس لن يتجاوز شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل؛ إذ من المحتمل أن تتأجل الدورة العادية للبرلمان، ما يعني أمداً أطول في عمر الحكومة. ومن ثم، فإنّ الدخول في مخاض تشكيل حكومة جديدة مع البرلمان الحالي ستكون عملية مرهقة، سيتحاشاها مطبخ القرار قدر الإمكان، بخاصة أنّ القرارات الاقتصادية عابرة للحكومات، وأيّ حكومة مقبلة ستضطر إلى الالتزام بالبرنامج نفسه!
تبقى هذه وجهة نظر. وبالضرورة، فإنه في ضوء المعادلة القائمة، يصعب التنبؤ بأعمار الحكومات؛ إذ نجا الرئيس بأعجوبة من امتحان الموازنة، والأهم من ذلك أن لا أحد يعرف ماذا تحمل الرياح السورية العاتية في جعبتها من تطورات وأحداث!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد