من كان ليشطح بخياله، قبل عامين من الآن، ليرى ملايين المصريين يحتشدون في الساحات ضد جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها العام، وهي الجماعة التي كانت تشكّل "بعبعاً" للأنظمة العربية، وحتى للغرب، بوصفها البديل الشعبي الوحيد للأنظمة الاستبدادية!
الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس محمد مرسي، لا تقف عند حدود "تقييم" أدائه خلال العام الماضي، وإن كان ضعفه القيادي وافتقاره للحس السياسي سببين فاعلين؛ بقدر ما تعكس (هذه الانتفاضة) أزمة مشروع الإخوان المسلمين السياسي، وتطرح تساؤلات جوهرية بشأن ما يحتاجه هذا المشروع من إعادة هيكلة جذرية، و"نقد ذاتي" صارم.
لن يكون الوضع مختلفاً فيما لو كان حاكم مصر هو خيرت الشاطر، مثلاً، وليس مرسي؛ فالحاكم الفعلي كان "جماعة الإخوان المسلمين"؛ والنتيجة، سياسياً وإعلامياً ومعنوياً، تنعكس على الجماعة داخل مصر وخارجها!
لا ننكر أنّ هنالك ثورة مضادة، وتجنيدا، وتعبئة كبيرة، وعملا محليا وعربيا منظّما لإسقاط مرسي، لكن على أنصار الإخوان الاعتراف بأنّ أخطاء الإخوان، أولاً، ساعدت كثيراً على تأليب الشارع عليهم. وثانياً، أنّ نسبة كبيرة من المجتمع انقلبت فعلاً ضد الجماعة، فخسروا في أشهر معدودة ما بنوه من شعبية وتعاطف كبيرين عبر عقود من السجون والمعتقلات والنفي والتضحيات!
ذلك يدفع الإخوان إلى طرح السؤال، بعيداً عن عقلية المؤامرة (مع الاعتراف بدور نسبي لها)، وبعيداً عن التبريرات السطحية: لماذا خسرنا الشارع بهذا التسارع القياسي؟ وأين أخطأنا؟
إذا استدعى الإخوان ما حدث بعد الثورة المصرية، وتذكّروا التحذيرات والنصائح التي وُجّهت إليهم من الحكماء والمفكّرين والأصدقاء، فإنّهم سيكتشفون أنّ الخطأ الفادح تمثّل بانقلابهم على شعارهم الأصلي (المشاركة لا المغالبة)، واتخاذهم منطق المغالبة (حتى عبر صندوق الاقتراع)، بدلاً من التوافق والتفاهم مع الآخرين، مستثمرين ما يمتلكونه من "رصيد" سابق كبير في الشارع.
أظهر الإخوان شهوة حقيقية للسلطة، وشعوراً بالزهو والانتصار بنتائج الصناديق خلال الأيام الأولى. ونسوا أنّنا ما نزال في مرحلة انتقالية، ولم يستوعبوا التحذيرات بأنّهم يأتون إلى الحكم وهو "خرابة"، ولديهم خصوم ينتظرون الإيقاع بهم، فكان هدفهم فقط السيطرة على الحكم، فيما كانت أغلب النصائح التي تقدّم إليهم أن ابتعدوا عن التفرد في الحكم، ولا تقعوا في هذا "الفخ" الخطر، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها الدول العربية، وضغوط من البطالة والفقر وغياب التنمية، وارتفاع سقف التوقعات لدى الشعوب من الثورات!
ما زاد الطين بِلّة هو أنّ التيار الذي أمسك بمقاليد الجماعة هو "التيار التنظيمي-الحديدي"، وليس الإصلاحي. إذ خرجت أغلب القيادات المنفتحة والناشطة في العمل السياسي، وشريحة واسعة من الشباب، من رحم الجماعة، احتجاجاً على تفرّد الجناح المحافظ بمقاليد الأمور، ما غلّب منطق التنظيم وحساباته في أجندة الإخوان السياسية، على حساب منطق الانفتاح والشراكة.
من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الإخوان، أنّهم فشلوا في معركة الإعلام، ولم يستطيعوا حتى أن يبنوا مؤسسات إعلامية ناجحة قادرة على المنافسة؛ بينما نجح الخصوم في تدشين "رواية إعلامية" شرسة ضد الجماعة. والإعلاميون والفنانون وأغلب المثقفين، حتى أولئك الذين كانوا يتعاطفون مع الجماعة قبل الثورة، اصطفوا جميعاً ضد الإخوان، فساهم ذلك في خسارتهم للشارع.
في نهاية اليوم، من الخطأ الفادح توصيف الإخوان للمعركة بأنّها بين الإسلام والعلمانية، أو اختزالها بين الثورة والفلول، أو الانهماك في حسبة الأعداد على الجانبين. بدلاً من ذلك، لا بد من الإقرار ابتداءً بحجم الخسارة الكبيرة في فترة قصيرة، والتفكير في أسبابها، وفي مصير مشروع الجماعة بأسره!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد