حسناً! فلنذهب –ابتداءً- مع أنصار تدخل الجيش وعزل الرئيس محمد مرسي، بأنّ الإخوان المسلمين استأثروا بالسلطة، وأقصوا الأطراف الأخرى والقوى السياسية المختلفة؛ وأنّهم لم يفهموا معنى المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تحتكم إلى التوافق بين القوى السياسية، بل ركنوا إلى منطق المغالبة والأغلبية؛ وأنّهم تجاهلوا بأنّ التأسيس للمرحلة الديمقراطية، دستورياً وسياسياً ومجتمعياً، لا يجوز أن يتم عبر صندوق الاقتراع؛ وأنّ الرئيس و"جماعته" فشلوا تماماً في إنجاز وعودهم الاقتصادية والسياسية للشعب المصري؛ وأنّهم أخلّوا بعهودهم السابقة مع شركائهم ومع قوى الثورة المصرية، فأودوا بالبلاد إلى "انسداد الأفق السياسي"!
تلك الأخطاء هي التي قادت إلى تعبئة شريحة اجتماعية واسعة من المصريين المتضررين، سياسياً واقتصادياً وربما ثقافياً، لاتخاذ مواقف صارمة ضد الرئيس (ولنغض الطرف هنا تماماً عما يقال عن الثورة المضادة)، والمطالبة برحيله، والدعوة إلى انتخابات مبكّرة؛ ما أدّى إلى المظاهرات الضخمة الهائلة في 30 يونيو، ثم تدخل الجيش وعزل الرئيس واعتقال قيادات "الجماعة"، والدعوة إلى خريطة طريق جديدة، تجبّ عملياً ما قبلها، أي حقبة الرئيس مرسي.
السؤال الذي أطرحه هنا، ولا أجد جواباً مقنعاً عليه فيما نراه من سجالات وحوارات مصرية وأردنية وعربية: أيّهما كان أفضل، أن تستدعي الجيش للتدخل (أو ربما نمهّد له الطريق لذلك) ليعزل رئيساً مدنياً منتخباً، جاء عبر صندوق الاقتراع في انتخابات مشهودة، ونعطّل الدستور، ونعتقل قيادات حزب يمثّل أكبر حزب في البلاد، ونغلق القنوات الفضائية التابعة له أو القريبة من هذا الخط، فندخل البلاد والعباد في حالة من الفوضى والاستقطاب غير المسبوق، ونستفزّ شريحة اجتماعية واسعة، ونفتح الباب على الدم والعنف المتبادل؛ أم أن الأنجع والأجدى كان بأن ننتظر قليلاً ونُسقط "الجماعة" في الانتخابات التشريعية (التي كانت على الأبواب) طالما أنّ الأغلبية العظمى (30 مليونا) مع حركة "تمرد" والمعارضة كما تقولون، ونغيّر الدستور تحت قبة مجلس الشعب المنتخب، الذي يمتلك شرعية دستورية وقانونية وسياسية، ونحجّم الرئيس، تمهيداً لانتخابات مبكّرة، كما كانت تطالب المعارضة ومعها شرائح اجتماعية واسعة؟!
أطرح هذا السؤال وأود التذكير بأنّنا أمام مأزق دستوري وشعبي وسياسي، يتمثّل في أنّ رئيس الجمهورية، الذي جاء بعد الثورة بانتخابات لا غبار عليها، هو في السجن، وكل ما يقال عن أخطائه، ونتفق على أنّها ناجمة بصورة رئيسة عن عدم إدراك طبيعة المرحلة الانتقالية، كان يفترض أن يظهر في صندوق الاقتراع بعد شهرين (في الانتخابات البرلمانية) لا عبر الدبابات والمصفّحات، وإقحامها في الحياة السياسية.
وأود التذكير، أيضاً، بأنّه كما أنّ هنالك شارعاً خرج بالملايين ضد الرئيس مرسي، فإنّ شارعاً آخر بالملايين أيضاً مع الرئيس مرسي؛ أي إنّ الشرعية الثورية والشعبية موضع جدل ونقاش، وليست محسومة تماماً، وكلّ طرف يدّعي امتلاكها. وكما يعلم الجميع، يمكن التحكّم بالصورة الإعلامية وبإخراجها. معنى ذلك أنّنا لا نمتلك –في الأصل- مصدراً محايداً دقيقاً في هذا المجال، فعلى ماذا يتم الاستناد بإلغاء نتيجة صناديق اقتراع ما بعد الثورة؟!
أذكّر، ثالثاً، بأنّ الرئيس نجح بفارق بسيط جداً عن منافسه؛ أي إنّ حالة الاستقطاب والانقسام كانت حاضرة منذ البداية، وأنّ الملايين صوتت ضده، كما صوّتت معه الملايين، أليس أنصاره مواطنين مصريين أيضاً، حتى لو كانوا إسلاميين أو من أبناء الطبقات المحافظة!
لو قارنّا بين العواقب والتداعيات ما بعد الانقلاب، وبين الإسقاط الديمقراطي، فإنّ الكفّة سترجّح الخيار الثاني بصورة واضحة، فلماذا تدخّل الجيش إذن، وجرّ مصر إلى هذا المسار الخطر، إلاّ إذا كانت هنالك نوايا وأهداف أخرى؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد