بعيدا عن الجانب السياسي في تشكيل الحكومة الفلسطينية، فإن ظهور هذه الحكومة وبرنامجها السياسي الذي اعلنه قائد حماس في غزة، اسماعيل هنية، السبت الماضي، يحمل دلالة فكرية ومحطة تاريخية في اعادة تشكيل الخطاب الاسلامي الخاص بالصراع العربي-الاسرائيلي والقضية الفلسطينية؛ هذا الخطاب الذي حملته الحركات الاسلامية في المنطقة وفلسطين، وقامت على اساسه حركة حماس.
وللتذكير، كان هذا الخطاب الاسلامي يقوم على الأسس التالية:
1- ان الصراع مع الكيان الصهيوني صراع وجود لا حدود، وانه صراع حضاري لا ينتهي الا بزوال الاحتلال.
2- ان الطريق الوحيدة للتحرير هي الجهاد والعمل العسكري، فيما السلام والتسوية هدر للوقت، ولا يعودان بشيء.
3- ان مجرد التفاوض مع اسرائيل محرم شرعا، بغض النظر عن نتائجه. وكان هذا يعتمد على فتاوى شرعية كثيرة وموثقة.
4- ان قرارات الشرعية الدولية، بما فيها القرارات والمبادرات العربية، مرفوضة دينيا وسياسيا لأنها تتضمن تنازلا عن اجزاء كبيرة من فلسطين لإسرائيل، وان قرارات الامم المتحدة اعطت لإسرائيل اكثرمن 78% من ارض فلسطين.
5- كان الخطاب الاسلامي يتحدث عن كامل التراب الفلسطيني من البحر الى النهر، ويرفض مصطلحات الحل التاريخي او الواقعي، كما يصف كل المعاهدات والاتفاقات بأنها خضوع وتنازل عن الحقوق العربية والفلسطينية، وانها مخالفة للدين وتفريط بحقوق الامة. وينطبق ذلك على اتفاق اوسلو الذي وصفته ادبيات الخطاب الاسلامي في فلسطين وخارجها بأنه تنازل وانصياع للشروط الصهيونية.
وهذا الموقف الذي حملته بيانات وكتب وفتاوى ومحاضرات، بل وتربية قواعد الحركات الاسلامية، كان مرتكزا اساسيا في حركة هذه القوى بين الجماهير. وكان له سند في فكر الحركة الاسلامية ومصادرها الثقافية والشرعية، وظهر مع بداية الصراع وتكرس لعقود طويلة؛ بل وكان عامل تناقض بين الحركة الاسلامية وانظمة الحكم، سواء في مصر او الاردن، او حتى بين حماس والسلطة الى ما قبل الانتخابات التشريعية قبل حوالي عام.
ويوم السبت الماضي، السابع عشر من اذار، وقف قائد حماس في غزة امام المجلس التشريعي ليعلن برنامج حكومة تقودها وتشارك فيها بقوة الحركة الاسلامية في فلسطين. وهنا اشير الى التغيرات الفكرية التي يمكن ان تكون منعطفا في الخطاب الاسلامي الخاص بالصراع العربي-الصهيوني، او على الاقل بداية لتحول فكري تاريخي بغض النظر عن الجوانب السياسية الخاصة بعلاقة هذه الحكومة مع اميركا واسرائيل والمجتمع الدولي.
فأهم الجديد في الخطاب الاسلامي الذي تبنته حماس، وتعمل وفقه مع حكومتها الجديدة، هو:
1- الاعلان عن سعي حكومته إلى اقامة دولة فلسطينية على الاراضي المحتلة العام 1967 وعاصمتها القدس؛ اي القبول بجملة سياسية عربية واستثناء الارض المحتلة العام 1948. وسواء أكان استثناء تكتيكيا ام دائما، فإن السقف هو دولة على اراضي العام 1967.
2- لكن الاهم ان برنامج الحكومة حدد الطريق للوصول الى الدولة، عبر العمل مع المجتمع الدولي والدول العربية. ومعلوم ان المجتمع الدولي والدول العربية لا تسعى عبر الحرب والجهاد، بل عبرالتفاوض والحل السياسي وقرارات الامم المتحدة.
3- ولم يكتف البيان بهذا، بل اشار بوضوح الى الالتزام بقرارات الشرعية الدولية وقرارات القمم العربية والاتفاقات الموقعة واحترامها. وهذه الاتفاقات والقرارات كانت في نظر الخطاب الاسلامي تنازلا وتفريطا واستسلاما، وخروجا عن الشريعة واصول الدين.
وحين يكون الالتزام والاحترام لكل هذه القرارات الدولية والعربية واتفاق اوسلو، فإن القاسم المشترك لها يقوم على الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود على الارض الفلسطينية، اعتراف بشرعية الوجود وليس كأمر واقع، وهي قرارات تجعل من المفاوضات طريقا وحيدة لإعادة الحقوق وليس الجهاد، ومنها اتفاقات كانت توصف بأنها باعت الحقوق، لكنها الآن تحظى بالاحترام الذي يعني الالتزام، وإخراجها من حيز ما كانت توصف به، الى قرارات ايجابية ومقبولة.
واذا استطاع خطاب حكومة حماس ان يفرض نفسه على الخطاب الإسلامي في المنطقة، فهذا يعني:
1- خلو الخطاب الاسلامي من الفتاوى التي تحرم الالتزام بالقرارات الدولية والعربية والتفاوض، لأن هذه الحكومة فوضت رئاسة السلطة بالتفاوض، والتفويض يعني الموافقة على الفعل.
2- التوقف عن نقد ورفض الاتفاقات القائمة لأنها محل التزام واحترام، والاعتراف بأن الجهاد ليس الطريق الوحيدة، بل هنالك ايضا الجهد الدولي والعربي وهو جهد تفاوضي؛ وان القرارات والاتفاقات ليست تنازلا او تفريطا او مخالفة للشريعة.
بعيدا عن السياسة، فإن برنامج حكومة حماس يحمل تغييرا جذريا في خطاب الحركات الاسلامية نحو الصراع، الا اذا كان خطابا خاصا بحماس وليس ملزما لغيرها. وهذا التغيير ليس تحولا بل نسف لأصول ومبررات ومنطلقات خطاب مضى على وجوده عقود وعقود.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة