لم تجد حلاً لمأساتها اليومية، وحالة القهر والغضب التي تعيش فيها، إلاّ بإقدامها على تناول سمّ الجرذان، لتنهي الفصل الأخير المأساوي من حياتها، وهي في الثلاثينيات من عمرها؛ تاركة أطفالها الستة السوريين في مدينة إربد، بلا معيل، ولا أقارب أو أهل، بعدما تخلّى العالم بأسره عن السوريين وتواطأ ضدهم، في سورية وفي خارجها حيث اللجوء وقسوة الحياة والبرد. وتآكل الحلم السوري بغدٍ أفضل، وبعودةٍ وشيكة بعد زوال النظام الدموي الإجرامي.
لا نعرف شيئاً عن المرأة السورية اللاجئة التي قررت إنهاء حياتها بهذه الطريقة الحزينة والمؤلمة. لكنّها من دون شك، حتى لو كانت في ظروف صعبة في بلادها، فإنّ ما عانته خلال الهروب واللجوء من ظروف لا إنسانية قهرية يعادل أضعافاً مضاعفة أيّ عناء أو تعب لها في بلادها، وها هي تقضي غريبة، تترك أولادها في عناية الله!
قصة هذه المرأة ليست الأولى ولا الأخيرة، وربما هنالك قصص كثيرة شبيهة بها، في ظل ظروف مترديّة أمنياً وإنسانياً واجتماعياً وثقافياً في مخيم الزعتري، وفي ظل ظروف صعبة ومرهقة خارج المخيّم في سبيل تأمين متطلبات الحياة؛ سواء بالعمل أو بانتظار المساعدات التي تحاول تلبية المتطلبات الأساسية للأشقاء السوريين.
قبل انتحارها، استطاعت الأجهزة الأمنية اكتشاف سرّ الجثث الثلاث المتحللة لسيدات، في منطقة الخالدية في محافظة المفرق، تبيّن أنّهن من اللاجئات السوريات في مخيم الزعتري (أم وابنتيها)، قُتلن على يد أشقائهن الذين جاءوا من الخارج، وأخرجوهن من مخيم الزعتري بكفالة، ثم قتلوهن وألقوا جثثهن، قبل أن يغادروا البلاد!
ثمّة كلام كثير وأقاويل وإشاعات وتقارير إعلامية متداولة تسيء للأشقاء السوريين هنا، وللأردنيين على السواء. وهذا ناجم، أولاً، عن عدم توافر البيئة الصحيّة النظيفة الإنسانية، وهي مسؤولية دولية وأردنية على السواء. وثانياً، عن سوء إدارة هذا الملف من قبل الحكومات المتعاقبة، التي تعاملت معه بمنطق الصدمة والمفاجأة وسوء التقدير والتخطيط، فخسر الأردن الصورة الإعلامية، برغم أنّ ما قام به سابقاً الجيش الأردني على الصعيد الإنساني (في حماية الهاربين)، وما قام به المواطنون الأردنيون بالتبرع والمساعدة على إيواء وتأمين اللاجئين، هو عمل عظيم ومشرّف!
المعضلة الأخرى التي تواجه الحكومة، تتمثّل في الجانب الاقتصادي. ففي الوقت الذي تتحدث فيه أرقام رسمية عن قرابة مائة ألف (أرقام أخرى تضيف إليها أربعين ألفاً)، اندمجوا في سوق العمل المحلية، في مدن الشمال وعمّان، مما يساعدهم في تأمين المتطلبات الرئيسة لحياتهم، إلاّ أنّ هذا بدأ يؤثّر على مشاعر شريحة اجتماعية واسعة من الأردنيين، بخاصة الطبقة الحرفية والمهنية في الشمال، الذين يشعرون أنّ الأشقاء يأخذون فرصهم هم، نتيجة قبولهم بأجور أقل وعمل مرهق أكثر، وامتلاكهم خبرة جيّدة في هذا المجال الواسع!
الانخراط السوري الواسع في سوق العمل، وارتفاع إيجارات الشقق، والمشكلات الاجتماعية التي بدأت تظهر هنا وهناك، كلها تجعل من الوضع الحالي خطِراً على الأشقاء والسلم الأهلي في آن؛ ونحن نتحدث عن قرابة ستمائة ألف خلال الموجة الحالية وحدها. فنحن نضع "قنبلة موقوتة" في أحضاننا، ما يتطلب بالفعل إيجاد حلول قبل أن تكبر التداعيات الاجتماعية والأمنية والاقتصادية.
القضية، أولاً وأخيراً، مرتبطة بسوء إدارة هذا الموضوع الحيوي المهم، عبر غياب التخطيط والخطط المدروسة والتصوّرات العملية الواضحة والدقيقة التي توازن بين الاعتبارات الإنسانية والقومية والإسلامية من جهة، وبين ما يضمن سلامة الأشقاء والأمن المجتمعي من جهة أخرى.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد