في مطلع شبابنا القرائي اذكر اني وجيلي من كتاب السبعينيات انكببنا على قراءة الكتابات الوجودية على اعتبار انها كانت تتوازى عدمياً وقهرياً مع مخلفات النكسة الحزيرانية التي اعادتنا آنذاك الى المربع الاول في الخسارات والتمني والندم على اقتراف الحلم.

وبالنسبة لي مازلت اذكر تلك المسرحية التي حفرت عميقاً في داخلي وهي للمفكر الفرنسي جان بول سارتر وتحمل عنوان"الايدي القذرة" والمسرحية تحكي ببساطة متناهية وعميقة عن ذاك الشاب المندفع بقواه الفتية والحماس للتسجيل في احد الاحزاب السرية ، ولأن الشاب كان يمتك حماسه المجلجل فقد اتيح له ان يحضر احدى اجتماعات القيادة المسؤولة عن الحزب. وقد لا حظ الشاب ان القيادة مرتبكة في اتخاذ قرار اغتيال احدى الزعامات السياسية في تلك الدولة فما كان من الشاب الا وانبرى متبرعا لاغتيال هذه الشخصية. وقد حاولت القيادة الحزبية ثنيه عن قراره هذا الا ان الحماسة التي ابداها الشاب جعلت القيادة توكل له مهمة الاغتيال تلك.

وبالفعل تبدأ الترتيبات الحزبية بالعمل لايجاد الظرف الملائم للشاب كي ينفذ طموح الحزب في اغتيال تلك الشخصية ، ويرسمون له الخطة ويمنحونه مسدساً. ويبدا الشاب بالتدرب على تنفيذ خطته وفي اللحظة التاريخية المناسبة يقوم الشاب فعلا باغتيال تلك الشخصية ، ويلقى القبض عليه ويودع في زنزانة الاعتقال الانفرادي ويلاقي صنوف التعذيب بكافة اشكالها القمعية. وتمر الايام والشهور والسنوات على الشاب وهو في تلك الزنزانة الى ان يمضي فيها ما يزيد عن العشرين عاماً.

وتنقلب الظروف في تلك الدولة وينتصر حزب الشاب ويتسلم زمام الحكم وبعد فترة وجيزة يتم اخراج الشاب من المعتقل. وفي لحظة خروجه قرر الشاب ان يطوف ارجاء مدينته بعد كل هذا الغياب والاعتقال. لكن الذي أدهش الشاب حد الجنون هو احد التماثيل المنتصبة في وسط المدينة للزعيم الذي قام بقتله واغتياله ، وحينما تساءل عن سبب عدم ازالة التمثال بدأ يسمع بعض التخريصات البرجماتية من اعضاء الحزب حول ضرورة بقاء التمثال مرحلياً. بعد ذلك وحينما دعاه الحزب الى مقر قيادته صرخ صرخته المدوية :"لم أعد صالحاً للاستعمال".

مناسبة سرد هذا الاستذكار انني اكاد وان اراقب تشرذم الثورات العربية وانقساماتها الفصائلية أسمع صوت الشهداء والاسرى وهم يطلقون الهمس المسحوق ذاته:"لم أعد صالحاً للاستعمال".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور