تحدّثنا في مقالٍ سابق عن "الدرس الخطأ"، أيّ إطاحة الجيش بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهو الحدث الذي طار به سياسيون أردنيون وحرّكوا ماكينة إعلامية بائسة للتهليل له، وكأنّه انتصار تاريخي؛ تبيّن بعد ساعات قليلة أنّ نتائجه الوخيمة أدخلت مصر في نفق مظلم، وهي النتيجة التي نقرأها لدى أغلب الخبراء والإعلاميين الغربيين (بالضرورة ليسوا أعضاءً في جماعة الإخوان المسلمين)، الذين يرون في هذه الطريقة إطاحة بالمسار الديمقراطي الحقيقي.
لكن، وعلى الطرف المقابل، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وباقي الأقطار معنيةٌ هي أيضاً بالاستفادة من دروس التجربة المصرية، فرغم أنّها قصيرة، ومجحفة من زاوية الظروف والشروط الموضوعية التي جاءت فيها، كان على القيادات المنفتحة وجيل الشباب أن يتجاوزوا في نظرهم الرؤية الذرائعية الدفاعية المنغلقة، وهي التي سادت خلال الأيام الماضية ردّاً على الانقلاب العسكري.
ليس المطلوب من الجماعة ألاّ تدعم شقيقتها في مصر، ولا ألا تتعاطف معها، لكن بموازاة ذلك وبالدرجة نفسها أن تعقد جلسات نقدية صارمة لاستنطاق مكامن الاختلال والخلل والأخطاء التي ارتكبتها قيادة الجماعة في مصر في التعامل مع هذا التحول الاستراتيجي من مقاعد المعارضة إلى سلطة الحكم، ومقارنة ذلك بالتجربة المغاربية التي نجت من حقول الألغام التي ما تزال توضع في طريقها إلى اليوم!
ثمّة دروس كبيرة ومتعددة تطرحها التجربة المصرية على الجماعة، أبرز الدروس المستفادة وأهمّها تتمثّل بضرورة التجديد في مشروع الجماعة الإصلاحي نفسه، وفي أدواتها الاجتماعية والسياسية وفي علاقتها بالمجتمع وجيل الشباب الجديد، فالظروف التاريخية التي نشأت فيها الجماعة وحكمت مسارها وتطوّرها خلال ثمانية عقود تغيرت كثيراً، ولم تعد طريقة التفكير التقليدية تناسب المرحلة الجديدة، لا على صعيد تطوّر المجتمعات العربية نفسها، ولا على صعيد الرؤية السياسية المضطربة للجماعة تجاه الحكم والدولة!
الخطوة المهمة الأولى المطلوبة تتمثّل بإحداث ثورة فكرية في مشروع الجماعة تقفز معها خطوات للأمام، لتنسجم وتتناسق مع ما طرحته في برامجها الأخيرة من إيمان بالديمقراطية والتعددية وتداول السلطة؛ والمطلوب في مواجهة الانقلاب العسكري الذي حدث في مصر ليس ارتداداً للوراء وإقامة بكائيات على روح الديمقراطية وندماً على التزام الإسلاميين بها، بل على النقيض من ذلك إصرار عليها والتزام كامل بها، والانحياز أكثر إلى مسارها.
للتذكير فإنّ الاختراق الذي أحدثه حزب العدالة والتنمية التركي جاء بعد عقود من الجهود المبذولة من قبل الإسلاميين، كانت تنتهي دوماً بانقلابات عسكرية، إلى أن جاء أردوغان وغول وكسرا الحلقة المفرغة، فقلبا الطاولة على العسكر، عبر إعادة هيكلة مشروعهما السياسي بما يتناسب مع الشروط الواقعية، وأكملا الطريق إلى نهاية الشوط، بعدما كان شيخهما أربكان يقف في منتصف الطريق متردّداً بين المضي قدما أو العودة إلى وراء!
من قلب التجربة المصرية تتبدّى ضرورة الفصل أو التمييز الكامل ما بين الحقل الدعوي والمدني والاجتماعي من جهة والعمل السياسي الحزبي من جهة أخرى، فبقاء هيمنة قيادة الجماعة على الحزب، وعدم إدراك الفرق ما بين المجالين، وعدم قدرة النخبة التكنوقراطية ومعها التيار "التنظيمي الحديدي" على التعامل مع شروط الانفتاح والحوار السياسي مع الآخرين، كل ذلك أدّى إلى إضعاف القدرات السياسية والاتصالية في مرحلة الحكم، وحرم الجماعة من صعود نخبة سياسية كفؤة مؤهّلة، بدلاً من ذلك بقيت النخبة التقليدية تقود دفّة الصراع السياسي وترتكب الأخطاء تلو الأخرى!
ربما لا نبالغ بالقول إنّ الانقلاب العسكري أنقذ الجماعة مؤقّتاً، وأعاد لها جزءاً من التعاطف الشعبي، وفي الوقت نفسه منحها فرصة، على الأقل خارج مصر، لقراءة أكثر عمقاً وعقلانية وواقعية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد