أيّا كانت النتائج المترتبة على التطورات الراهنة في مصر، وتداعيات الأزمة المتدحرجة هناك، فإنّ أهمّ ما أفرزته هو أنّ عزل الرئيس "الإخواني"، محمد مرسي، وتدخل الجيش وما قدمه من مسار بديل، لم يمروا مروراً سهلاً. ولم ينجح السيناريو الرسمي "العربي" في استدراج جماعة الإخوان المسلمين ومؤيدي مرسي إلى "العنف"، والزجّ بالجماعة في خندق التطرف لتبرير الإجراءات الإقصائية بحقّها!
على النقيض من ذلك، أبدت "الجماعة" والتيارات المناصرة للشرعية ذكاءً واضحاً في التمسك بالجانب السلمي للاحتجاجات، وفي إدارة المعركة الإعلامية والسياسية والصمود المشهود في ميدان رابعة العدوية للأسبوع السادس على التوالي؛ ما أكسبها مزيداً من التعاطف الدولي، وخلخل الحسابات الدولية والإقليمية، وأحرج العسكر والتيارات والقوى السياسية التي تقف معهم وتؤيد "خريطة الطريق" الجديدة!
هذه "الوقائع" تطرح نفسها على الموقف الرسمي الأردني الذي تغلّبت عليه رؤية بعض مراكز القرار بتأييد تدخل الجيش بقوة، فيما بدا موقف مراكز أخرى مغايرا، وتوصياتها متحفظة تجاه ذلك. إلاّ أنّ محصلة التصريحات والمواقف والسياسات جاءت كأنّ الأردن طرف رئيس وأساسي في الأحداث المصرية.
وبدلاً من تجنيب البلاد أي تداعيات للأزمة المصرية، سارع الإعلام الرسمي بـ"خفّة" وسطحيّة، إلى نقل المعركة السياسية والإعلامية إلى الداخل، وتوظيف ما حدث لشنّ هجوم كاسح على جماعة الإخوان المسلمين. وتجاوز الأمر ذلك إلى التلويح بسيناريوهات خطرة، مثل إعادة هيكلة الأوضاع القانونية للجماعة وحلها، واتخاذ إجراءات غير مسبوقة ضدها!
المفارقة أنّ الحكومة (أمّ الولاية العامة!) كانت آخر من يعلم عن هذه "التسريبات" الإعلامية، وليس لها أي يدّ فيها، ولا تعرف عن خلفية السيناريوهات التي يتم تداولها في الإعلام، مع أنّه من المفترض أن يكون "المطبخ الحكومي" جزءاً (على الأقل) من هذا "العصف الذهني" الرسمي حول مستقبل "الجماعة"، والتعامل الأردني معها على وقع ما يحدث في مصر!
على النقيض من هذه "الخلاصات" الرسمية الأردنية، فإنّ المشهد المصري اليوم يؤكّد أنّ "لحم" الإسلام السياسي "مسموم"، وأنّ الشارع العربي تغيّر، والروح الجديدة في المنطقة تتطلب تعاملاً أكثر ذكاءً ووعياً من المقاربات التقليدية أو تلك المحافظة والإقصائية التي ما تزال تتبنّاها أنظمة عربية في المنطقة. وكذلك أنّ "إقصاء الإسلاميين" سيناريو مكلف سياسياً وأمنياً؛ بل رأينا كيف استطاع الإخوان توظيف ما حدث ضدهم لاكتساب تعاطف الشارع، بعد "الانتكاسة" التي تعرّضوا لها خلال فترة حكم مرسي!
بالضرورة، "الخلاصات" نفسها مطروحة على الإخوان في الأردن، بدرجة أكثر دقّة. إذ بنت قيادتها الحالية رهاناتها، خلال الأشهر السابقة أيضاً، على موجة صعود الإسلام السياسي، بدون أن تلتفت إلى المعادلة الداخلية وما يناسبها من صيغة متدرجة سلمية في الإصلاح السياسي، بدلاً من الدخول في حالة من المكاسرة مع مراكز القرار الأخرى، وتقديم رسائل ساهمت كثيراً في رفع منسوب قلق "مطبخ القرار" من أجندة "خفيّة" للجماعة للانقلاب الناعم على النظام، من خلال تغيير جذري في قواعد اللعبة السياسية، استقواءً بما حدث في المنطقة!
و"الجماعة" معنية، كذلك، بالاستفادة من الدرس المصري، عبر تطوير خطابها الإصلاحي وتجنب الوقوع في المنزلقات السياسية نفسها، والخروج من وصفات ورؤى التأزيم التي تجرّها إلى سيناريوهات المواجهة والصدام!
بيت القصيد أنّنا لسنا مضطرين لاستنساخ تجارب إقصائية أو صدامية في العلاقة بين التيار الإسلامي والحكم في الأردن. والعكس صحيح؛ الفرص والإيجابيات المترتبة على إعادة ترتيب البيت الداخلي وتحصينه من المتغيرات الخارجية، والتفاهم على صيغة توافقية على إدارة الشأن الداخلي، هي الخيار الأفضل والأنسب والأكثر ضمانة لتصليب الجبهة الوطنية، وتطوير المعادلة السياسية لتكون قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والأزمة الاقتصادية في الداخل، وإعادة بناء السلطة الأخلاقية للدولة في مواجهة انفجار العنف الاجتماعي وتراجع التعليم العالي وأزمة الطاقة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد