نتعلم كل المهارات الحياتية التي نحتاجها ولكننا لا نتعلم على دربة "الفقدان" ، وحينما تحدث حالة الفقدان نبدأ بالتحسر والتذكر على مافقدناهم من الاحبة والاصدقاء وربما الامكنة ابضاً.
فالبيت الذي تقطنه لاول مرة وتبدأ بتأثيثه بحسب رغباتك وذوقك التأثيثي لتقضي فيه اجمل ايام عمرك عليك ان تستعد في ظرف ما لمغادرته وان تودع صالته وغرفة نومك فيه وشرفته واطلالة نوافذه على الجهات الاربع. عليك ان تبدأ بتدريب روحك على فراغه الطارىء منك ومن العائلة. وان تستعد لتاثيث بيت آخر تبدأ بالتعود عليه تدريجاً.
والمقهى الذي تحبه وتحب رواده وتعشق فيه رائحة الفة الناس وتوادهم التبغي والصوتي والقهقهات عليك في لحظة ما ان تفكر بأن هذه هي الجلسة الاخيرة لك في هذا المكان ، وانك اعتبارا من اليوم التالي لن تعاود الجلوس فيه وانك ستكتفي في شهورك وسنواتك المقبلة بالتطلع الى بوابته وأنت تتحسر على ذاكرة تستلهم فيها المقهى واناسه.
عليك ان تتعلم وانت تغادر المدينة التي شهدت انبثاقك الشبابي وتدفقك الغامر باتجاه الحياة وتشكلك الاول في الحب والغرام والاصدقاء انها هذه هي المرة الاخيرة التي تعانق فيها المدينة وشوارعها وازقتها وساحاتها واسواقها وانه عليك ان تبدأ بالتدرب على مدينة اخرى ، وانك سوف تقوم مستقبلا بزيارة مدينتك الاولى وانت تشعر بان مدينك الاولى بدأت تفقد الكثير من نكهتها الاولى الى ان تبدأ بالدخول في حسرة فقدانها تدريجياً.
وعليك في زحمة تشكيل العائلة والابناء ان تحدق جيداً في الاولاد وتحفظ ملامحمهم جيداً وتعانقهم بشدة وتغدق عليهم بمحبتك لانك قد تتعرض الى فقدان اي واحد منهم في لحظة حمق زمني. وحينها سيكون عليك ان تبدأ بتعلم دربة فقدانهم تدريجياً.
والصديق الذي تصافحه عليك أن تتأكد من ملمس راحتيه ومن تلك التحديقة في عينيه لان هذه المصافحة قد تكون هي المصافحة الاخيرة. لان هذا الصديق قد يغادرك في لحظة حمق او التباس وسوء فهم ولا يعود او قد يغادرك الى قبره.
والحال انه علينا تعلم "دربة الفقدان" ذلك انه من الخطأ تماماً الاعتقاد ان دربة الفقدان وما يترتب عليها حالة مبكرة لاستدعاء التشاؤم وعدم الاقبال على الحياة ، بل هي لحظة الحذر من حماقة اندفاعنا المسرنم في الحياة دون ان نستعد للقادم الينا من تلافيف الغيب والمجهول.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور