إذا كانت استطلاعات الرأي قبل الانقلاب، حتى في أوساط مقربة من الإخوان المسلمين، تشير إلى تراجع كبير في شعبية الرئيس المعزول محمد مرسي، ما كان سيظهر جليّاً في صندوق انتخاب مجلس الشعب، المقرّرة بعد أشهر قليلة، وسيشكّل ذلك "ضربة قاصمة" لحركات الإسلام السياسي عبر الآلة الديمقراطية وصناديق الاقتراع، فلماذا لجأ الجيش إلى الانقلاب العسكري، الذي قاد إلى سيناريو الصدام الراهن، وما ترتب عليه من إعلان الأحكام العرفية والطوارئ، والأعداد الهائلة من القتلى والفوضى السياسية والأمنية؟!
وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين هي "الخصم"، الذي يراد الإطاحة به، من قبل المؤسسة العسكرية وقوى سياسية في الداخل، وقوى إقليمية في الخارج، فكان ذلك يمكن أن يتم بصورة طبيعية وأكثر ضمانة وتأثيراً عبر صناديق الاقتراع، بعد أشهر قليلة؟ فلماذا حدث التعجّل، ما مكّن الجماعة من العودة إلى الشارع، وقولبة الصراع في سياق الدفاع عن الهوية الإسلامية والشرعية السياسية وصناديق الاقتراع، وهي عناوين منحتها قوة وحضوراً في الشارع، كانت تخسرهما تدريجياً عندما كان مرسي على سدّة القيادة؟!
يردّ بعض السياسيين (المؤيدين للانقلاب) على "علامات التعجب" السابقة بالقول: إنّ الإخوان لم يكونوا ليسمحوا بإجراء انتخابات مجلس الشعب ولن يقبلوا بنتائجها، وإنّ مرسي رفض الخيارات كافة التي عرضت عليه، وكان يمكن أن تكون مخرجاً من الأزمة الداخلية، وإنّ بقاء الإخوان فترة أطول في السلطة كان سيؤدي إلى الإمساك بالسلطة لمدة طويلة عبر"أخونة الدولة" وإقصاء القوى السياسية الأخرى.
هذه الحجج تبدو متهافتة هشّة من الزاوية الواقعية؛ فالجيش الذي دعم حركة "تمرّد" ونسّق معها، حينما كان مرسي رئيساً للدولة، وعمل المركز البيروقراطي- الأمني ضد الجماعة وهي تمسك بالحكم، وساهم الإعلام المصري، العامّ والخاص على شيطنة الإخوان و"بهدلة" الرئيس وهو في موقع القوة، وحشدوا الملايين ضده خلال أيام قليلة؛ فمن يملك هذه الخيوط لا يعجز عن ضبط طموح الإخوان عبر الآلة الديمقراطية نفسها، وسيمنعهم من الخروج على قواعد اللعبة بسهولة، ما يعني أنّ هذه الهواجس ليست حقيقية ولا واقعية، ولا يمكن أن تفسّر فعلياً لماذا حدث الانقلاب وذهبت البلاد بعده إلى "حافة الهاوية"!
وإذا كان هذا صحيحاً في مصر؛ فلماذا نرى الأجندة نفسها تعمل في تونس اليوم ضد حزب النهضة الإسلامية، وهو الحزب الذي أظهر قدراً كبيراً من البراغماتية ومرونة كبيرة في التعامل مع القوى السياسية الأخرى، في عملية بناء الدستور الجديد والحكومة الائتلافية وفي اختيار رئيس ليس من الحزب أصلاً؟ لماذا تصرّ "الأجندة العربية" على دفع تونس إلى السكّة المصرية نفسها؟..
الجواب عن هذه التساؤلات أنّ القصة ليست في الإخوان، هم بمثابة "العربة" التي استخدمت فقط لتبرير الانقلاب! بل المحرّك الحقيقي للأجندات الداخلية والعربية المتوارية وراء الانقلاب هو إجهاض الديمقراطية نفسها، وكسر الطموح الشعبي العربي الجديد من خلال الدخول في دوّامات من العنف والفوضى وتعزيز عامل "الخوف" الشعبي، وإعادة إنتاج الأنظمة السابقة بـ"إكسسوارات" جديدة، باستبدال بعض النخب، ونوع من الديمقراطية المحجّمة، وتحالفات وشبكة مصالح مضمونة!
منذ اليوم الأول لنجاح الثورات الديمقراطية بدأت أجندات عربية إقليمية رأت في الربيع العربي خطراً عليها، وداخلية مرتبطة بالقوى المتضررة من الثورة، على العمل بجديّة للوصول إلى اللحظة الحالية، لكن على ما يبدو فإنّ مبالغة أصحاب هذه الأجندات في الانتقام والقمع والقتل هو ما سيجهض حتى هذا المخطط المدروس والمعدّ سلفاً، إذ إنّ هذا الخطاب وتلك الممارسات تفضح نفسها بنفسها!
بالتأكيد لو لم يقع الإخوان في أخطاء فادحة في إدارة المرحلة الانتقالية، وفي قراءة موازين القوى الداخلية والخارجية، ولو تخلّوا عن عقلية التنظيم، لصعّب وعقّد ذلك كثيراً من مهمة الانقلابيين!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد