مثلما يهرم الانسان وتنتهي حياته بالموت فان الاشياء التي نواظب على استعمالها تهرم وتنقرض ايضا ، وحينما يتاح لي حضور احد الافلام التي يعود تاريخ انتاجها الى ثلاثينيات القرن الفائت فأن اول مايلفت انتباهي هذه الحركة الطافحة بالعافية لفنانيين أخذهم الموت منذ أمد طويل وهم يتحركون امامي في ذاكرة الصورة بالابيض والاسود وان هذه المشاهدة هي احد التدوير في استرداد حياة جديدة للمثلين عن طريق المشاهدة. وكثيراً ما أحدق بالبيوت الفارهة والقصور التي تدور فيها احداث مثل هذه الافلام فاشهد صالة طعام أو كنبات او لوحات معلقة على الجدران واسأل نفسي عن مصيرها. وهذا يقودني الى التفكير باصحاب المقتنيات النادرة الذين يدفعون بملكياتهم الى المزادات كي تباع بارقام خيالية. وحينما تذهب الكاميرا في هذه الافلام واشاهد الابنية والشوارع والمارة اقوم بحسبة بسيطة لمعدل الاعمار لاكتشف ان كل هؤلاء ماتوا ايضا وان الابنية التي اراها الآن تم هدمها ولم يبق منها الا القليل والنادر.

وببدو ان الانسان الذاهب في صناعته العملاقة بدأ يكتشف أنه بالامكان استرداد صناعاته القابلة للانقراض والموت وان عليه معاودة جمعها من حديد وتدويرها صناعياً بحيث تعود الى اصلها المعدني ومن ثم تتشكل في سلعة جديدة.

وفي اوروبا والعالم الغربي عموماً قان ما من شيء يصنع الا ويعاودون تدويره صناعياً قبل ان يغيب ويندثر في زحمة النفايات.

وقد قرأت قبل ايام في احدى الصحف عن عميلة تدوير معدن السيارات في العالم بعد ان تجاوز عدد السيارات والعربات في العالم المليارين. وفي الوقت الذي تتحول فيه السيارات الخردة الى عبء ثقيل على الطبيعة في معظم البلدان غير المتطورة فان اوروبا انتجت ساحقات السيارات من فئة"الآلات العملاقة" حيث تعمل هذه الآلات الديناصورية على سحق هذه السيارات وارسالها الى الافران لصهرها وتحويلها الى حديد جديد وسلع جديدة.

والامر ذاته ينطبق على معظم السلع من اشياء مصنوعة من البلاستيك والكرتون وعلب المشروبات الغازية والزجاج حيث يعاد فعل التدوير الصناعي لهذه السلع واعادة انتاجها من جديد.

اننا نعيش فعلا في زمن التدوير الصناعي الذي يفقدنا تلك الذاكرة المرتبطة بالعلاقات البسيطة مع الاشياء. وقد لا نستغرب أن ثمة حركة للتدوير الروحي بدأت تطفو على سطح العلاقات الاجتماعية والانسانية تأخذ منّا هذه العلاقات وتقوم بتدويرها لتعيدها الينا باشكال اقل ما يقال عنها انها مزورة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور