ما من عام قامت به الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية بتوعد رمضان واستباق ايامه بالتحضيرات مثل هذا العام ، بحيث بدت مثل هذه التوعدات وكأنها نية خبيثة لنزع الحرمة والخشوع والتعبد عن هذا الشهر الفضيل.

فالتجار استبقوا ظهور هلال رمضان من اسبوعين على الاقل برفع سعر العديد من السلع الغذائية المرتبط تناولها بشهر رمضان. وهذا ماجعل المواطن يذهب ليستدين من اجل ان يعفي نفسه من موجة تصاعد الاسعار في رمضان. وجمعية حماية المستهلك اصدرت بياناً ناشدت فيه المواطنين بمقاطعة اللحوم الحمراء التي صارت اسعارها فلكية قبيل ثبوت رمضان.

والفضائيات العربية توعدت رمضان بماراثون من المسلسلات الدرامية التي تتنافس كي تضع على طرف شاشتها عبارتها الكيدية "يعرض حصرياً". والفنان العربي اضافة الى جهات المنتجة للاعمال الدرامية صاروا يؤجلون فعالياتهم وعروضهم الفنية الى رمضان على اعتبار ان المواطن العربي والمسلم لن يكون له اي شاغل في رمضان سوى تلك المتابعة البلهاء لقصص درامية ليست بعيدة عن الافلام الهندية ودموعها المدرارة.

ومن جانبها أخذت شركات الخلوي تجهز هي الاخرى عروضها الخاصة برمضان. وقد دهشت البارحة من عرض تقدمه احدى شركات الخلوي المصرية لاغنيات خاصة بشهر رمضان كنا نسمعها في ستينيات القرن الفائت ، هذا عداك عن العروض الاخرى التي لا يتم تسويقها الا في رمضان.

ومن جانبهم ايضاً يقوم اصحاب الفنادق وبعض المقاهي بتوعد رمضان على طريقتهم. فبعض الفنادق أخذت تعلن عن مسرحيات سياسية فكاهية سوف تعرض يومياً خلال شهر رمضان. ومن ناحية اخرى يستعد البعض الآخر للقيام ببناء الخيمة الرمضانية التي سوف يسمم مناخها بالاغاني والضحكات وتبغ النارجيلة وربما بتقديم بعض العروض الفنية التي تستمر من وقت الافطار وحتى وقت اذان الامساك.

ان معظم الجهات التي اتيت على ذكرها تحاول ان تنزع عن هذا الشهر بركته وتقواه لتلبسه ثوبها الفلكلوري المضحك الذي يجعل من الشهر الفضيل يبدو وكأنه احد البازارات الدنيوية.

انّ فعل توعد رمضان على هذا النحو يفقد هذا الشهر براءته التي تعودنا عليها. مثلما يفقده ذاك الحنو الذي كان يجمعنا على مائدة الافطار بحميمية تشبه حميمية تلاصق حبات المسبحة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور