بنت الحارة التي كانت بالفعل جميلة الجميلات بتلك الاطلالة النادرة لها من النافذة او من بوابة الدار وملامحها الاغوائية التي لا تخلو من الشيطنة وشعرها الذي كانت
من شدة نعومته تسرحه باصابعها.
بنت الحارة تلك أكلت رؤوس شباب الحارة وكان كل واحد منهم ينفرد بحالة تأليفية خاصة به وهو يرسم علاقة وهمية معها وعلى طريقته ، الى درجة ان هذه العلاقة الوهمية كانت تجعله يحيلها كعشيقة الى اغاني عبد الحليم حافظ وفيروز وام كلثوم كي يضعها في منطقة التحسر والشجن.
وقد بلغ الوهم عند احدهم ان دعانا ذات مساء الى بيته وتركنا نتساءل عن سر هذه الدعوة الى ان قال لنا - وكأنه يريد ان يخطفها منّا مرة واحدة - بانه على علاقة يومية معها وانها تحبه وتعشقه. وبالطبع قبلنا نحن هذه الكذبة الذي ادعاها صاحبنا لا لشيء سوى أن يظل الحلم بها حالة مشروعة لكل واحد منّا كي يرسمها على هواه وبالشكل الذي يريد.
بنت الحارة كانت تمتلك من الخبث الكثير وكانت تعلم حينما تشرع بالخروج من البيت والتمشي في شوارع الحارة كانت تعلم تماما اننا جميعاَ نتبعها واننا نحبها هذا الحب الجمعي ولذلك كانت تتقصف في مشيتها وتلقي التحية على باقي صبايا الحارة بنوع من العلو والاشعار بالتمايز.
والغريب اننا كنّا نقبل على انفسنا أن نعقد الجلسات الليلية ونحن نتحدث عنها بنوع من العدوانية وكأننا نود وقتها أن نثبت لانفسنا أننا لا نحبها كل هذا الحب.
بنت الحارة سمحت ذات مرة لواحد منّا أن يبعث لها بالرسائل التي كانت توضع مع حصوة صغيرة في علبة كبريت فارغة. وحينما ردت عليه بكلمات غبية ومكسرة ومبعثرة جنّ جنونا ونحن بين مكذب ومصدق وتحول ذاك الصديق الى ديك حقيقي الى درجة انه قال لنا - ذات مرة - "انا أعرف انكم تحبونني كل هذا الحب بسببها وانا بدونها لا استحق منكم حتى المشاهدة".
بنت الحارة الجميلة جداً ظلت علامة فارقة في ذاكرة كل واحد منّا. وقبل ايام وانا اجلس في باص المؤسسة شاهدتها وهي تصطحب زوجها وباقي افراد العائلة الذين صاروا شباباً. حدقت بملامحها كان وجهها متورما وظهرها يمتلك ذاك القهر الامومي بينما سواعدها بدت وكأنها خارجة للتو من شقاء المطبخ.
نهضت من مقعدي وانا اطالب السائق بالتوقف. التفتت اليّ وشهقت بينما ذهبت انا في الشارع اجرجر خلفي ذاكرة موحشة عن جميلة الجميلات.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور