أميركا، ومعها الحكومة الإسرائيلية، تعتقد أن التغيير السياسي الذي جسده برنامج الحكومة الفلسطينية الجديدة، من حيث احترام الاتفاقات القائمة والشرعية الدولية والعربية والالتزام بها، هو أحد نتائج الحصار السياسي والاقتصادي الذي مارسته بحق الشعب الفلسطيني والحكومة السابقة.
وتدرك اسرائيل وأميركا أيضا أن دخول وزراء من معسكر التسوية، وممن كانوا على علاقات مع المراحل السابقة، كسر لاحتكار حماس للحكومة، ولهذا سارعت أميركا ألى تنظيم لقاء بين قنصلها في القدس ووزير المالية الفلسطيني، سلام فياض؛ أي أن الحصار أصبح جزئيا على الحكومة.
ولأن سياسة اسرائيل تقوم على أمرين هما الابتزاز والتهرب من أي سلام أو تسوية، فإنها واجهت الحكومة الجديدة بمقاطعة ورفض. وهذا لا يعني وجود قناعة بعدم حصول تغييرات على الساحة الفلسطينية، بل لأن اسرائيل تعتقد أن مزيدا من الضغط والابتزاز سيحققان لها مزيدا من التنازلات والمكاسب. كما أن مقاطعة الحكومة الجديدة سيحقق للكيان الصهيوني مبررا لعدم الدخول في أي عملية تفاوض، حتى وإن كانت شكلية.
هذه الاستراتيجية الصهيونية ليست مع حكومة حماس، بل هي حاضرة منذ سنوات، وتقوم على تحميل مسؤولية غياب السلام للطرف الفلسطيني. فكان شعار "غياب الشريك الفلسطيني" الذي رفعته مع ياسر عرفات، رحمه الله؛ وبعدما رحل استمرت في هذا إلى أن جاءت حكومة حماس، فأعلنت إسرائيل أنها حكومة ترفض التفاوض، وأقنعت العالم بمقاطعة الحكومة وفرض حصار ظالم على الشعب الفلسطيني. وحتى بعدما جاءت الحكومة الجديدة، ما تزال إسرائيل تحاول شراء الوقت، والاتكاء على مبرر ان الحكومة لم تعترف باسرائيل، مع أن برنامج الحكومة الجديدة حمل الكثير من التغييرات الجذرية في موقف حماس، لكنها اللعبة الإسرائيلية القائمة على الابتزاز والمماطلة.
في معسكرنا العربي هنالك وجهة نظر بأن إقامة اتفاق مع حكومة يقودها اليمين الإسرائيلي أقوى وأكثر ضمانة من اتفاق مع القوى الأخرى. وهذا المنطق يمكن ان يكون اسرائيليا. فإقامة اتفاق مع حكومة تقودها حماس، وتفوض منظمة التحرير والرئيس عباس بالتفاوض أقوى من اتفاق مع حكومة تقودها حركة فتح. لكن هذا قد يكون صحيحا لو كانت اسرائيل تريد اتفاقات؛ كما أنها ليست في عجلة من أمرها، وتعتقد أن حماس يمكنها أن تعلن مواقف جديدة أخرى، ولهذا تمارس ابتزازا وضغوطات مارستها سابقا مع منظمة التحرير حتى حصلت منها على كثير من التنازلات مجانا. واسرائيل تمارس الممانعة والرفض حتى يصبح قبولها الاعتراف بالحكومة الفلسطينية، وقبول التعامل معها، نصرا عربيا وفلسطينيا، وتقبض إسرائيل مقابله ثمنا من الجميع.
لنتذكر أن الذكاء الإسرائيلي، والحصار الظالم للشعب الفلسطيني، جعلا مجمل الحركة الفلسطينية، ابتداء من الخلافات والاقتتال ثم اتفاق مكة، تتم لغاية تأمين شروط رفع الحصار. فالسياسة الأميركية - الصهيونية جعلت الهدف ليس إعادة الحقوق، بل رفع الحصار! وحتى الآن، فإن كل عمليات تقويم الحكومة ومدى استجابتها لشروط الرباعية الدولية، هي للحصول على قرارات برفع الحصار عن هذه الحكومة والتعامل معها. فاتفاق مكة فرح الناس به لأنه أوقف الاقتتال الداخلي، ورحبت به الدول العربية لأنه سيوفر أرضية سياسية لبناء حكومة ترضى عنها أميركا وأوروبا وتنهي الحصار والمقاطعة لها.
السياسة الإسرائيلية لم تبعثر أولويات الأطراف الفلسطينية والعربية لتجعلها جميعا تسعى في الحد الأقصى إلى حدود العام 1967، واعتماد التفاوض خيارا وحيدا، بل إن هذه السياسة تفرض في كل مرحلة أولوية تشغلنا جميعا. فمرة يكون رفع الحصار عن الرئيس عرفات هو الهدف، وأخرى العودة الى ما كان عليه الوضع قبل الانتفاضة الثانية، والآن إنهاء الحصار والتعامل مع الحكومة! ومع كل مرحلة ينخفض سقف المطالب والحقوق! فالحلقة مفرغة، لأن اسرائيل لا تريد سلاما، ولا تؤمن بالتسوية كخيار حقيقي، وتراهن دائما على ضعف الأمة، وأحيانا على الوضع الفلسطيني وخلافاته، وأحيانا أخرى على تبدل أولويات أميركا وانشغالها بالمأزق العراقي.
اسرائيل نار مشتعلة لا تشبعها أنواع التنازلات العربية والفلسطينية، وكلما حصلت على شيء طلبت المزيد. وشهيتها مفتوحة لأن الأمة والفصائل لم تبخل عليها يوما، وتأمل بالكثير تحت مبررات المرحلية والتكتيك والواقعية، وهي ذات المصطلحات يمارسها اليمين واليسار والوسط، ومضمونها أثمان مجانية تُقذف في نار السياسة الصهيونية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة