استهل وزير التنمية السياسية الجديد، خالد الكلالده، رسائله السياسية بتصريحات مغايرة للانطباعات السياسية السائدة! إذ قال لـ"الغد" إنّ الحكومة ستفتح حواراً مع الإسلاميين. وكان جريئاً –كعادته- (في تصريحاته لـ"الحياة" اللندنية) بالإشارة إلى الأصوات المرتفعة داخل النظام التي تدعو إلى "تجاهل الإسلاميين" على وقع المتغيرات الإقليمية، وهو ما يرفضه، ولم يتراجع عن مواقفه المعروفة، فقال بوضوح إنّ الإصلاحات التي تمّت دون المطلوب.
المفارقة أنّ الكلالده يتحدث عن حوار وانفتاح سياسي على جماعة الإخوان المسلمين، في الوقت الذي كان الإعلام الرسمي وشبه الرسمي يتحدث عن الانتصار عليها! ربما هذا يفرض سؤالاً فيما إذا كانت تصريحات الوزير تشي بإعادة تقييم جرت داخل "دوائر القرار" لردود الفعل المتشنجة الأولية تجاه ما يحدث في مصر، والاستدارة نحو الفريق الذي يتحدث بضرورة عزل الإقليمي عن المحلي، والتفكير في إمكانية الحوار مع "الجماعة"، بعد أن تراجع طموحها السياسي؛ أو أنّ الوزير يغرّد خارج السرب، فما تزال المقاربة الرسمية محكومة بالأجندة الإقليمية ضد "الجماعة"!
إذا افترضنا أنّ التوجه الرسمي هو نحو الحوار، فإن السؤال الآخر المطروح: على ماذا تتحاور الحكومة مع "الجماعة"؟! فإذا كان المقصود قانون الانتخاب، فإنّ دوائر القرار لا ترحّب بذلك الآن، حتى لا تُنقل رسائل مقلقة للنواب، والمجلس سيكون "قلعة حصينة" ضد وضع القانون على أولوية الدورة البرلمانية المقبلة.
هذه المعضلة تضع الوزير أمام مهمة كبيرة، تتمثّل في وضع إطار لخطوات التفاهم السياسي بين الدولة والمعارضة، وتبريد المناخ السياسي في البلاد، ربما عبر مبادرة عبدالإله الخطيب التي تتمثّل في إشراك "الجماعة" عبر نوافذ أخرى، غير الانتخابات النيابية، إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة.
"صداع الكلالده" سيتبدّى لدى مناقشة السياسات الاقتصادية. وبرغم أنّ الكلالده ليس معنياً بهذا الملف، ولا مكلّفاً به، إلاّ أنّه من صميم اهتماماته. وهو وإن كان يسارياً متطوّراً، أقرب إلى اليسار الأوروبي، أو "الليبرالية الاجتماعية"، إلاّ أنّه سيعارض بقوة السياسات الاقتصادية الراهنة؛ القائمة على تنفيذ الاتفاقية مع صندوق النقد الدولي، بإزالة الدعم من الموازنة، بدون النظر إلى "الأعباء الاجتماعية" المترتبة على الطبقتين الوسطى والفقيرة.
الكلالده، كما أوضح سابقاً، لا يمانع في إلغاء الدعم عن السلع، أو بعبارة أخرى إعادة هيكلته، لكنه يتحدث بوضوح عن "الحزمة الموازية" التي تخفف من وطأة ذلك التوجه على الطبقات الفقيرة والوسطى، وتضعه ضمن نسق من السياسات المتكاملة، فلا يدفع المواطن وحده "فاتورة الأزمة المالية". وهذه الحزمة ليست واردة في حسابات الحكومة الحالية. كما أنّه سيرفض بقوة مشروع قانون ضريبة الدخل، وسيصطدم بزميله أميّة طوقان الذي ينتمي إلى "الليبرالية الصلبة"، ويؤمن أنّ مهمته هي تنفيذ الاتفاقية مع صندوق النقد الدولي!
بالتأكيد، لا نتوقع أن يتمكن الكلالده وحده من تعطيل قطار السياسات الراهنة؛ فهي سياسات عابرة للحكومات، سياسياً واقتصادياً، وسيجد نفسه أمام أربعة خيارات: الأول، التخلي عن أي دور فيما يتعلق بالشأن الاقتصادي، والتركيز على ما يمكن أن يقوم به –وهو قليل- على الصعيد السياسي. والثاني، هو التواري عن الأنظار، والاكتفاء بمحاضرات ولقاءات وتصريحات بلا أي تأثير. والثالث، يتمثل في الاصطدام بالحكومة والاستقالة أو الإقالة.
أما الخيار الرابع، فهو أن ينقلب الوزير على ما كان يدعو إليه سابقاً، ويعيد صوغ طروحاته السياسية، كما فعل غيره. وهو ما أراهن أنّه لن يحدث؛ فهذا الرجل مختلف عمّن تعرفونهم. إذ هو، كما يعرفه السياسيون، شخص عنيد ومقاتل، ربما يكون بمثابة "قنبلة موقوتة" في أحضان التعديل الوزاري!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد