تعاني المجتمعات العربية عموماً من مظاهر اجتماعية تتبدى وتتمظهر في مشاكل ذات سمات تكاد تحمل صفة الديمومة. مشاكل تصمت كثيراً لكنها في مفصلية اجتماعية معينة نلاحظ انها تطفو على سطح الحركة الاجتماعية وتحتل المشهد اليومي للناس لتزعزع استقرارهم وتسلب منهم الطمأنينة الاعتيادية لليوم.
والمجتمعات العربية لم تتخلص بعد من بنيتها التي قامت عليها منذ أمد بعيد ، وهي اذ تفعل هذا فانها تفرّخ في كل منحنى تاريخي ما يمكن تسميته بالمسكوت عنه. هذا المسكوت عنه الذي يتم الاتفاق "غير المعلن" بين الناس على تنحيته جانباً دونما معالجة ودونما اقتلاع ، والتعامل معه على اعتبار ان الزمن في تقدمه الدهري سوف يكون كافياً لحله وتمييعه وطمسه تماماً.
لكن التاريخ الانساني علمنّا أن مامن قفزة حضارية على صعيد الارتقاء بالبنية الاجتماعية الا ورافق حدوثها فعل اجتثاث حقيقي لمسلكيات متخلفة لا تتناسب اطلاقا مع القفزة الحضارية الجديدة. وكثيراً ما دفعت بعض المجتمعات العديد من الضحايا واهدار الدم البشري من أجل التخلص من المعوقات الاجتماعية التي لا يمكن احالتها الى خانة المسكوت عنه.
وازاء التسلط الكنسي الذي كان يقبض على حرية الفرد في اوروبا. حتى الفرد الذي كان يعمل على انقاذ مجتمعه بالاختراعات كان يطارد ويعتقل. وليس بغريب ان يكون هناك في تاريخ اوروبا ما يُشبه التنظيم السري لبعض العلماء كانوا يجتمعون سرا في عواصم مختلفة ، وان العالم "نيوتن" ذائع الصيت وصاحب نظرية الجاذبية كان واحداً منهم.
اما في المجتمعات العربية فان المسكوت عنه هو عدم تحقيق حرية الفرد اللتي تحدث بمنأى عن المجموع بترتيباتها الحجرية التي مازالت تحكم معظم تصرفاتنا. فصار المجتمع يبدأ بالمجموع الذي يمارس سطوته التي تفرّخ الفرد الذي لا يستطيع ان يتكون بدونها وبحماياتها. ولهذا يظل الفرد يعمل في منطقة المسكوت عنه طوال حياته من اجل ارضاء العرف الاجتماعي الذي يحكم من خلاله المجموع على الفرد.
ولعل الشاعر العربي الذي صاح مرة "لا تقل اصلي وفصلي انما اصل الفتى ما قد حصل" كان قد وضع اصبعه في وقت مبكرعلى أُس المسكوت عنه عربياً. لكن ما من احد استمع الى هذا الشعر وبقينا نحتال على المدنية بالدخول من بوابتها الخلفية ونحن نهرّب معنا هذا المسكوت عنه الذي هو سر خرابنا وسر كل هذا الدمار الذي نعيش.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور