من هنا من الدوار الثالث في جبل عمّان تبدأ خطواتك في طريق منحدرة باتجاه وسط البلد حيث رحلتك شبه اليومية لتنشق عمّان. من هنا من هذه المنطقة التي كانت تؤسس باحتيالية عجيبة لامتداد عمراني سوف يكون اسمه لاحقاً "عمّان الغربية" تتأكد من ذلك وانت تتطلع الى واجهات الابنية التي صار لون حجارتها يأخذ ذاك الملمح الطيني المعتق.
تدهشك النوافذ الفارغة والشرفات التي كانت تعج بالضحكات واطلالة تلك المرأة بذراعيها المسالمتين كامتداد السروة التي تجاور الشرفة. تحس بالحسرة وانت تتطلع الى أدراج تآكلت حوافها والى ابواب صدئة ماعادت مشرعة بالحضور المواظب. تفكر وانت تراقب بعض البيوت التي تحولت بنوافذها المغلقة الى مستودعات ابدية لتجار منتشرون باصقاع المدينة انك حينما تواظب على مشاهدة المدينة في الضحى اليومي فان المكان يتحول عندك الى ملكية غامضة بصعب تفسيرها.
تتلفت حولك ترى المقاهي والمطاعم وهي مغلقة الابواب يدهشك هذا الاغلاق النهاري لمثل هذه الابواب العملاقة "انه اليوم الثاني من شهر رمضان" ولهذا تلاحظ أن الحركة كسولة ولهذا ايضاً تكتسي ملامح اصحاب المحلات بسكينة اساسها الصوم والانقطاع عن الطعام. وحين تقترب من وسط البلد تتابع ممارسة هوايتك في مطالعة عناوين الكتب المنتشرة على الرصيف وتلاحظ ان العناوين لم تعد ادبية بقدر ماهي مواظبة على متابعة اهواء الناس ورغباتهم فهذا كتب سميك يختص بابراج هذه السنة وهذا كتاب آخر للشيف رمزي عن المأكولات وهذه بعض الكتب عن العراق ورموزه ابتداء بمذكرات نوري السعيد وانتها بالكتب الخاصة باالرئيس العراقي الراحل صدام حسين. تترك كل هذا وتتجه نحو سقف السيل يثيرك الازدحام فيه والذي تتخلق منه رائحة هي مزيج من عرق المارة ورائحة الخضار والعطور ورائحة القطايف والتي تحرش أنفك هذا الازدواج في الروائح وتثير فيك رغبة التوقف للاستمتاع بهذه الرائحة المعتقة لعمان.
تتوقف لتراقب تلك السائحة التي تركت كل جماليات عمّان لترصد بعدسة كاميرتها مشهد تلك المتسولة التي تضع رضيعها في عربة وتتوسل الناس بصوت انثوي مجرح فيه دربة الاستعطاف والتوسل. تتجاوز ذلك وتغيب في ازدحام سقف السيل وتبتعد بخطواتك عن ساقي تلك المرأة العراقية التي فردتهما على الرصيف وهي تبيع التبغ. وتتحاشى تلك الالبسة المستعملة وهي تصطف بالحاح على جانبي الشارع وتغيب اذنك في الاستماع الى باعة الاغاني والأناشيد الدينية والخطابات وحينما تدخل سوق الخضار يخنقك الازدحام الذي تختلط فيه رائحة اللحوم مع رائحة الخضار وانخفاض اصوات الباعة بفعل الصوم. تخرج الى الشارع المجاور وحينما تشير للتاكسي بالتوقف وتجلس على المقعد ويسألك السائق الى اين. ترد وانت تتنشق الرائحة الكاملة لعمّان :"الى الشميساني".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور