ظُلمت مبادرة "زمزم" في أمرين اثنين. الأول، هو توقيتها؛ إذ أُعلن عنها عشية الانتخابات النيابية السابقة، ما خلق تساؤلات حول أهدافها وأبعادها. والثاني، تمثل في الضحالة الإعلامية إزاء مضمون المبادرة، إذ اختزلها الإعلام في بعض الأفكار، بدون الالتفات إلى ما تطرحه من تطوير عميق ونوعي على خطاب التيار الإسلامي.
مبادرة "زمزم" التي يتولاها عدد من القيادات الإخوانية المعروفة، في مقدمتهم المفكر الإسلامي د. رحيل غرايبة، وزميله د. نبيل الكوفحي، ومعهما شخصيات إسلامية مستقلة، تقوم في جوهرها على ضرورة تجاوز الاستقطابات الداخلية الأيديولوجية والسياسية، والتفكير في تدشين تيار وطني يعلي من المصلحة الوطنية، أقرب إلى مفهوم "الجماعة الوطنية" التي تحدث عنها مفكرون ومثقفون مصريون كبار، أمثال د. طارق البشري ود. محمد سليم العوّا ود. سيف الدين عبدالفتاح. وقد ألّف البشري كتاباً خاصاً بها بعنوان "التيار الأساسي".
هذا الطرح وُلد، كما يؤكّد شباب المبادرة، من رحم المرحلة الأولى في الثورة المصرية. إذ بدأت تتشكّل قناعة لدى هذه المجموعة بأنّ جماعة الإخوان ستقع في مأزق كبير في مصر بعد وصولها إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، وأنّها ستدخل في صدام مع قوى سياسية، مختلفة ومتعددة، في المرحلة الانتقالية التي تتطلب روحاً توافقية لعبورها؛ وهو ما حرّك فكرة المبادرة وطوّرها، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
يطرح مهندس المبادرة رحيل غرايبة، حزمة من الأفكار الجريئة في الخطاب الإسلامي، تتجاوز تماماً الطرح المشرقي، وتقترب من الطرح المغاربي؛ فهو يتحدّث عن حركة محلية أصيلة، تُعلي الشأن الوطني على الحزبي، وتشمل كل من يفكّر في التنمية والإصلاح والتغيير، أيّاً كانت خلفيته الأيديولوجية أو الدينية أو الطائفية، ما يحجّم الهواجس التاريخية والانتماءات الأيديولوجية، ولا يلغيها.
وهو يؤكّد على أنّ المبادرة تتجنّب إطلاق أي مصطلح إسلامي على شعاراتها وخطابها، بالرغم من خلفية نسبة من قياداتها المهمة. والسبب هو أنّ الإسلام مرجع أخلاقي وقيمي، وليس ميداناً للمساومة أو الاستقواء على الآخرين؛ وهو بما يختزنه من قيم ومبادئ ملك لجميع المواطنين، مسلمين ومسيحيين.
كما يعيد غرايبة هيكلة طرح فكرة "تطبيق الشريعة الإسلامية"، ليقول بأنّها لن تُطرح ضمن برنامج المبادرة، وهي فكرة بحاجة إلى تطوير وتعميق؛ فالشريعة هي القانون والتشريع، وتتأتى من خلال استبطان القوانين لمبادئ الإسلام وقيمه.
يتحدث غرايبة بوضوح عن فصل "الدعوي" عن "السياسي"، والتمييز بين الحقل المدني والسلطوي. وتشترك طروحاته الفكرية كثيراً مع طروحات حزب العدالة والتنمية المغاربي، وتحديداً أفكار
د. سعدالدين العثماني الذي كان سبّاقاً في التأكيد على الجانب المدني في طرح الحزب، والابتعاد عن "الخطاب الهوياتي" إلى المجال "المقاصدي"، ومحاسبة الحزب على ما يطرحه من برامج واقعية وما ينجزه على أرض الواقع، بدون الاختباء وراء الشعار الإسلامي!
لا يطرح أصحاب مبادرة زمزم تأسيس حزب سياسي حالياً، وإن كانوا لا يستبعدون الفكرة، بقدر ما يصرّون على تأسيس إطار وطني جامع في البداية، يتطوّر مع الوقت، عبر شبكة من الأعمال المجتمعية والتطوعية، والمساهمة في التنمية المحلية، إلى أن تتشكّل قاعدة صلبة لحزب سياسي.
بدون شكّ تمثّل "زمزم" فكرة كبيرة، تسعى إلى إحداث اختراق في المجال العام، عبر طرح تصورات جديدة تدفع إلى العمل والحركة، وتجميع الطاقات الوطنية وتفعيلها واستنهاضها من حالة العطالة الحالية لأداء دورها المطلوب. وربما تطرح المبادرة بحد ذاتها سؤالاً جوهرياً عن مدى إمكانية نجاح مثل هذه التصورات الجادّة، ومقومات النجاح ومعيقاته، ومن ثم موقف الحركة الإسلامية؛ فيما إذا كانت ستنظر إلى "لُبّ" الفكرة أم ستقف عند "الحساسية التنظيمية"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد