ظلم فادح تتعرض له المناسبات المهمة عندما يتم وضعها في اطار لا يتناسب مع حجمها ودلالاتها. فاليوم، يحيي العرب والمسلمون ذكرى مولد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وهي مناسبة تحولت الى مواد مكررة في الصحف ووسائل الإعلام، وإلى احتفال رسمي تتكرر فيه الوجوه والحروف. وفي بعض المجتمعات، يرتبط المولد النبوي بنوع من الطعام، وكأننا نحيي حفل تأبين، او نمارس طقوساً تحول المناسبة الى نوع من الكهنوت! وفي المحصلة، نظلم صاحب الذكرى عليه السلام، ونخرج بمثل هذه الايام عن اصولها.
ذكرى مولد النبي محمد، عليه السلام، تتجاوز حدود المناسبة الدينية الى كونها مناسبة انسانية. فهو، عليه السلام، شخصية عالمية، غيّر برسالته وجه العالم؛ صنع أمة ودولة وحضارة؛ أعاد عبر الدولة التي صنعها صياغة جغرافيا العالم وهويته وسلوكه وقيمه. لهذا، فقد تعامل المنصفون في العالم مع محمد، عليه السلام، باعتباره شخصية انسانية تركت برسالتها واتباعها بصمة ايجابية كبرى على الانسانية، دولاً وقيماً وجغرافيا وحضارة. ولهذا وقف حتى من لا يؤمنون برسالته وقفة موضوعية مع هذا الانسان الذي تسلح برسالة سماوية، وقالوا فيه ما يستحق من تقويم، واحياناً كانت شمولية النظرة لدى بعض هؤلاء المفكرين اكثر انصافاً للرسول محمد وشخصيته وتأثيره من بعض ابناء الامة، ممن اعتقدوا ان التقدمية تعني التنكر للامة وحضارتها وقادتها، وعلى رأسهم محمد عليه السلام.
ذكرى مولد النبي، عليه السلام، مناسبة انسانية كونية، لانها فتحت على العالم بوابة التغيير الايجابي. لهذا، فالتحدي الذي كان على الامة هو ان لا تحتكر مناسبات الرسوم الكريم لها، او أن تحولها -بحسن نية- الى ليالي ذكر وخطابات، بل عليها جعلها من ايام الانسانية. فالدين الذي حمله محمد، عليه السلام، حملته فئات واسعة من كل الامم والشعوب، وكانت هذه الرسالة دائماً تقوم على الخلق والسلوك القويم وتقديم نموذج بشري متميز في كل جوانب الحياة؛ بشر يخطئون، لكنهم يمارسون الطبيعة البشرية الكاملة من خطأ وتوبة. فمحمد كان بشراً، وجاء برسالة للبشر بكل مكوناتهم ونقاط ضعفهم وقوتهم.
ذكرى مولد النبي محمد، عليه السلام، مناسبة لمن يؤمنون بالإسلام ان يتوقفوا عند كل جوانب شخصيته التي كانت بسيطة في تفاصيل حياتها، بساطة قائمة على منظومة الاخلاق والقيم الاسلامية. لكنه، عليه السلام، كان شخصية كونية، استطاع ان يغير تركيبة الشخصية العربية، فعجزت امبراطوريات ذلك العصر عن مواجهة اتباعه ليس في الجانب العسكري فقط، بل فيما يحملون من مضمون، ولهذا تحولت بقاع عديدة في العالم الى الاسلام عبر التجار والسلوك الذي يحمله المسلمون، وهذه كلمة السر الحقيقية في الاسلام؛ فهي الانسان ومنطلقاته، ومبررات حركته، ومضمونه القيمي والاخلاقي. وهذه هي مشكلة امتنا الان: الانسان الذي يمثل حجر الاساس لحركة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
محمد، عليه السلام، نبي لكل العرب، حتى ممن يحملون دينا غير الاسلام؛ فالعقيدة خيار شخصي احترمه الاسلام، لكن مجمل تأثير رسالة النبي الكريم صنعت واقعاً جديداً للامة بكل مكوناتها، مسلمين وغير مسلمين، بل ان النبي الكريم نموذج لكل بني البشر، وكثير من النصوص القرآنية ومن السيرة النبوية والحديث تحدثت عن الانسان اياً كان جنسه ودينه وعرقه، فالله تعالى وصف النبي بقوله: "وما ارسلناك الا رحمة للعالمين". وما حمله من قيم وأخلاق كان لكل الناس، فمن آمن بالاسلام حمل هذه المنظومة كجزء من عقيدته، ومن اختار عقيدة اخرى تعامل معها كفكر وقيم انسانية.
كثير من مناسباتنا تحتاج الى انصاف منا جميعاً، لنعطيها مكانتها التي تستحق في حياتنا، ونخرجها من كونها اياماً ارشيفية او بروتوكولية الى جزء من حياتنا، نقرأ ما فيها كما يجب ان يقرأ، بعيداً عن أجواء الكآبة التي صنعناها مع كثير من أيامنا ومناسباتنا العظيمة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة