في المفهوم الديني، فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. ولم يحدد الحديث دين المظلوم أو عرقه أو نوعه، لأن الظلم وقعه على الإنسان كبير، ولهذا جعل الله هذه الميزة لكل مظلوم، وضد أي ظالم.
وفي العرف السياسي، هنالك داخل أوصال أي دولة ممارسات وأعمال وقرارات يمارسها اصحاب المسؤولية، من ادناها الى اعلاها، تخرج عن نطاق الاجتهاد بين الخطأ الى الصواب الى كونها ممارسات ظالمة، تصنع ظلما وظالمين ومظلومين. وهنا لا نتحدث عن حجم الظلم بقدر ما نشير الى وجوده. فالمظلوم شخص يعتقد ان له حقا تم اغتصابه، وان له كرامة تم هدرها، او ان له حقا كان يجب ان يأخذه لكنه ذهب الى غيره. وفي المحصلة، فالظلم قناعة لدى المظلوم، وهو مظلوم لأنه عاجز عن الدفاع عن حقه، فتترسب في داخله، نتيجة ذلك، طاقة كبيرة من المشاعر السلبية، والرغبة في رد الظلم واعادة ما كان له من حقوق.
في الاعراف الادارية هنالك لجان الشكاوى ودواوين المظالم وصناديق التظلم، لكن الأعراف تكون احيانا غير مجدية، ونسبة ما تعيده من حقوق ضعيفة وقليلة. واحيانا يتظلم شخص لجهة يعتقد انها صاحبة سلطة، لكن بسبب شبكات العلاقات تذهب شكوى المظلوم الى الظالم، أو تضيع القضية بين ثنايا المراسلات والكتب الرسمية! لكن هذا لا يضيع من داخل نفس المظلوم حسرته وألمه، وشعور القهر داخله؛ بل ان طرق المظلوم للابواب "المعلنة" من دون فائدة يزيد المشكلة، ويعمق المشاعر السلبية.
ما اقصده هو ان أي دولة بحاجة الى امتلاك وسائل حقيقية لإنصاف أي مظلوم. وعادة ما يكون الظلم في معظمه في الطبقات غير ذات النفوذ، والاهم ان يشعر صاحب كل مظلمة، صغيرة كانت أم كبيرة، ان هنالك من ينصفه، وان شكواه ورسائله التي يرسلها تجد من يقرأها بنية رد المظالم واعطاء صاحب الحق حقه، وليس لغايات التأثير عليها بالحفظ او التحويل الى من لا يقرأها. وهذا الامر قد يكون في ظاهرةه أمرا إداريا، لكنه في حقيقته غير هذا. فالجزء الاداري اطار، لكن الروح تحتاج الى ارادة سياسية تكون روحا حقيقية تسري في جسد كل الدولة، وتحديدا مفاصلها.
لا يمكن ان نحقق حالة انصاف المظلوم اذا كانت بعض المفاصل المهمة تدار من قبل من لا يدرك معنى الظلم وتأثيره على قوة الدول وتماسك بنيانها، ولا في مؤسسات يمارس بعض اقطابها الظلم حتى لو كان في ابسط أحواله؛ فالمتضرر من الاصلاح يحاربه، ومن له اذرع في الظلم ليس معنيا بإنصاف المظلومين.
ولعل الوصول الى حالة انصاف المظلومين تحتاج ايضا الى ان يشعر المواطن بسهولة ان يصل صوته الى صاحب القرار ومصدر الانصاف، فالتعقيدات، وكثرة المسارب والمسارات تبعد الحق، وتزيل القناعة بسهولة الانصاف ورفع الظلم.
مهما كان ضعف المظلوم وعجزه، فإن قوته في هذا الضعف. واذا كان الله قد جعل دعوة المظلوم ليس بينها وبينه سبحانه وتعالى حجاب، ودعا الظالم الى ان يتقي دعوة المظلوم، فإن على كل منظومة، سواء كانت عائلة أم عشيرة أم شركة أم حزبا أم دولة، ان تمتلك حساسية عالية تجاه تكرس الظلم وتكاثر المظلومين. ولهذا، يفترض بكل ادارة ان تمتلك كل الوسائل التي لا تجعل شخصا يشعر ان حقه قد ضاع، او أنه مستباح الجانب.
هل يمكن ان نحلم بمنظومة سياسية ادارية تصل الى الحد الاقصى الممكن من اصحاب المظالم، وتشعرهم ان الحق محفوظ، وان الصوت مسموع؛ منظومة تنزع من صدر كل مظلوم أي مشاعر سلبية، وتحولها الى مشاعر بناء؟
إنصاف المظلوم وضمان وصول صوته وعودة الحق اليه قد يكون في ظاهره حديثا نظريا، لكنه عند إعادة تعريفه على ارض الواقع نجده حكايات وسياسة واقتصادا ومفاصل اجتماعية، إنه جزء من يوميات الدول والمجتمعات والأفراد.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة