يقدّم الأمير الحسن بن طلال في مقاله "الدولة والمواطنة" (المنشورة أول من أمس، الاثنين، في "الغد")، مقاربة متينة ومتماسكة، تستحق النقاش، لضرورة تجديد العقد الاجتماعي في الأردن، وإعادة تأكيد جملة من القيم والقواعد الأساسية، وتطويرها في تأطير العلاقة الداخلية، مثل: دولة القانون، والمشروعية السياسية، والمواطنة.
يجادل الحسن في مقاله بإمكانية استثمار الدولة للحظة الراهنة "الربيع العربي"، لتطوير العقد الاجتماعي الداخلي، عبر توق الناس إلى تطوير حياتهم السياسية، والتحرر والتخلص من مرض "انعدام الثقة" الذي أصبح يضرب صورة الدولة ومؤسساتها لدى الرأي العام.
ينطلق المقال من ترابط مفهوم سيادة القانون وخضوع الدولة والأفراد له، وما يستند إليه ذلك من شرط أساسي ومحوري يتمثّل في المدنّية والديمقراطية، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم العامة؛ مع مفهوم المشروعية السياسية التي تتمثّل في الحاكمية الرشيدة، واحترام الدولة ومؤسساتها للدستور والقانون، والتعامل مع المواطنين جميعاً بالتساوي؛ مع المفهوم الذي يمثل الركيزة الأساسية لتطوير العقد الاجتماعي، ألا وهو مفهوم المواطنة، وهو نفسه حجر الرحى في إقامة النظام النيابي الملكي وتطويره.
المواطنة ليست ذات وجه واحد، كما يؤكّد الحسن، بل لها وجهان ينبغي أن يكونا حاضرين في ترسيم صيغة العلاقة بين الدولة والأفراد: الأول، هو حقوق المواطنين جميعاً، السياسية والمدنية. والثاني، هو واجباتهم؛ أي بعبارة أخرى: ماذا تتوقع الدولة من المواطن؟ وماذا يتوقع المواطن من الدولة؟
يرصد المقال تحوّلاً مهماً حدث في إدراك الإنسان العربي لمبدأ المواطنة خلال لحظة الثورات والاحتجاجات التي شهدناها مؤخراً؛ إذ انتقل من المفهوم التقليدي للمواطنة (أي الذي يقوم على أساس المساواة بين المواطنين في الحقوق والحريات، وعدم التمييز بينهم في قضايا الدين والعرق واللون.. إلخ)، إلى المفهوم الديناميكي الجديد الذي يقوم على أساس "الثقة المتبادلة بين الفرد ودولته"؛ وربما يكون هذا هو الجانب الذي تعرّض للاهتزاز خلال السنوات الماضية، بصورة قاسية، وانعكس في فجوة الثقة والمصداقية بين الطرفين.
ثمّ يشير الحسن إلى ارتباط المواطنة الفاعلة في ذهن المواطن الأردني بالإصلاح السياسي، وإلى عدم وجود نص دستوري واضح بهذا الخصوص. ويدعو إلى "تجسيد مفهوم المواطنة" بصورة أكثر فاعلية وحيوية في الإصلاحات الدستورية المتتالية.
تكمن أهمية المقال في ما يحمله من تصوّر مهم لما هو مطلوب على صعيد تجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين، أو ميثاق وطني جديد، ينبع من الحاجة نفسها إلى تجديد وتطوير العلاقة بين الدولة والمواطنين، واستعادة المصداقية والثقة، والروح الوطنية الجامعة الطموحة، التي تنظر إلى المستقبل من خلال رؤية استراتيجية تدرك ما تريد، وإلى أين تسير، ولا تتقوقع وتدور حول نفسها خشية من رياح الإصلاح والتجديد، تحت وطأة تخويف التيار المحافظ والقوى الخشبية التي تخوّف دوماً من المضي إلى الأمام، بدون أن تتنبّه إلى أنّ التجديد والتغيير والتطوير هو سُنّة التقدم والارتقاء، فيما الجمود والتقوقع والتعايش مع الأمراض هي سُنّة العجز والشيخوخة والضعف!
ذلك ما يجب أن يكون واضحاً في رسالة الدولة تجاه المجتمع؛ عبر وسائل الإعلام والخطابات والمواقف السياسية، وهو ما أجادل أنا أنّنا ضيّعناه في السنوات الماضية، فلم نعد نعرف ما هي أجندة الدولة! وما هي رسالتها! هل نريد دولة قانون ومواطنة ومؤسسات وديمقراطية تمثيلية وحاكمية رشيدة، أم نريد شراء الوقت والتلاعب باللحظة الراهنة إلى أن تنتهي موجات التغيير، فيظن البعض أنّنا غنمنا بالسلامة؛ لكن الحقيقة هي أن ما حدث كان أن تركنا للمرض فرصة جديدة لينهش في مستقبلنا وسلامتنا، وأمننا الذاتي الداخلي؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد