في عالمنا العربي، وفي زمن العمل الحزبي السري، كانت الاحزاب تثقف كوادرها في بعض مهارات مواجهة المحققين في الاجهزة الأمنية، وكان من اهم الوصايا ان على العضو ان لا يلتفت إلى أسلوب يمارسه المحققون، وهو توزيع الادوار بين محقق خشن قاس، يمارس التهديد والوعيد وحتى الضرب، واخر يمثل الصدر الحنون، يتدخل في اصعب اللحظات على المعتقل، فيأخذه الى غرفة اخرى حيث يقدم له سيجارة وكأس شاي، ويتحدث إليه بحنان واحترام، ويحاول ان يحصل على الاعتراف والمعلومة، لكن هدف الاثنين (القاسي والحنون) واحد. واذا ما فشل المحقق الحنون الناعم، ثار وغضب، وتحول الى نموذج مكرر لزميله القاسي.
هذا النموذج يذكرنا بتعامل الاوروبيين والاميركيين مع الحكومة الفلسطينية. فهنالك الوجه القاسي الذي يرفض التعامل مع الحكومة او تقديم المساعدات لها، ويعلن انها استمرار للحكومة السابقة؛ يفرح في داخله للتحول في برنامجها السياسي، لكنه يريد ان يصل بها الى مرحلة اللاعودة، عبر الاعتراف غير المتردد بإسرائيل والاتفاقات، بل وممارستها؛ وهنالك الصدر الحنون الذي مارسته دولة او اثنتان، ومنها النرويج التي تطمع بتكرار انتاج اوسلو جديدة مع حكومة حماس، ولهذا سارع المسؤولون فيها الى لقاء اسماعيل هنية. لكن مطلب الجميع، مقاطعين ومتواصلين، ان تتوقف حالة التردد، وان تعلن الحكومة الفلسطينية بشكل واضح التزامها بما سمي شروط الرباعية الدولية.
والحكومة الفلسطينية في تعامل الاوروبيين والاميركيين معها تنتج مشهدا طريفا! فهنالك قبول لفئات الوزراء ممن هم خارج حماس، وربما كان هذا وراء اختيار وزراء الخارجية والمالية والاعلام من خارج حماس، إذ يتم استقبال هؤلاء في العواصم الاوروبية، ويجلسون مع قادة اوروبا وديبلوماسيين اميركيين، ويعلنون بوضوح -كما اعلن وزير الخارجية الفلسطيني- ان الحكومة تعترف باسرائيل والاتفاقات الموقعة، بينما الوزراء الاخرون ممنوعون عمليا من السفر، وكأنهم -بمن فيهم رئيس الوزراء- تحت اقامة جبرية سياسية!
والطريف ان وزير خارجية فرنسا او ايطاليا يجلس مع وزير الخارجية او وزير الاعلام الفلسطينيين، بينما يقاطع رئيس الوزراء اسماعيل هنية! والحكاية هنا ليس لان حكومة الوحدة يؤمن جزء منها بالتسوية ويعترف باسرائيل، وآخر على ظهور الدبابات او يحمل الرشاشات في مقاومة الاحتلال؛ فأوروبا واميركا تعلمان ان خيار المقاومة اصبح في مكانة متأخرة لدى كل الفصائل الفلسطينية، وان ما يمارس على الارض هو العمل السياسي. كما تعلم اوروبا وامريكا، ومعهما اسرائيل، ان البرنامج السياسي للحكومة يحمل نقلة نوعية باتجاه القبول بالتسوية وافرازاتها، لكن هؤلاء يعلمون او يعتقدون ان هنالك المزيد يمكن الحصول عليه عبر الضغط والابتزاز، ونصف المقاطعة، او ربع التواصل مع بعض الوزراء. ولان اسرائيل ليست في عجلة من امرها، وهي ليست معنية بتسوية او اعادة حقوق، فان هدفها هو الاستمرار في اعادة هيكلة الساحة الفلسطينية، وتفريغ عدد من القوى من مضمونها، لان بعض الخطوات الكبرى لا يمكن التراجع عنها وخسائرها فادحة، وهذا ما تريد اسرائيل ان تصل اليه، وليس السلام واعادة الحقوق.
في عرف الخسائر، لم تكن الهزيمة العسكرية في العام 1967 هي الاهم، بل قرار 242 الذي اعترف بحق اسرائيل في الوجود. وهذا القرار قبلته القيادة المصرية بقيادة عبدالناصر بعد ايام من صدوره. والهجومات الاسرائيلية المعاكسة في العام 1973، والتي افسدت انتصار حرب رمضان، لم تكن هي الاهم، بل قبول مصر الدخول في سلام منفرد مع اسرائيل عبر اتفاق كامب ديفيد. وما هو اهم من اخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان في العام 1982، كان الاجماع العربي على مبادرة قمة فاس التي تؤمن بالتسوية كخيار، وكذلك الإجماع العربي، بما في ذلك منظمة التحرير، على قرار 242.
وهكذا، فهنالك في كل مرحلة ثمرة حقيقية تقطفها اسرائيل. وما تسعى اليه الان هو اعادة هيكلة القوى الكبرى على الساحة الفلسطينية ليكون العمل السياسي هو خيارها الاستراتيجي، وربما الوحيد. وهذا ليس وليد هذه الايام، إذ نشهد خطوات منذ عدة سنوات. فاسرائيل لا تريد السلام، لكنها تريدنا جميعا، حكومات واحزابا وقوى شعبية، أن لا نؤمن الا بالتسوية، ولا نملك لها بديلا، ثم بعد ذلك تمارس شراء الوقت او تضييعه، والمماطلة والتسويف كما تمارسه الان مع الاطراف المؤمنة بالتسوية، والتي تتوسع يوما بعد يوم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة