الطريقة التي يتعامل بها جلالة الملك مع القضايا والمشكلات عملية، تعتمد على تقديم أمر ملموس وإنجاز يصل الى المواطن. وهي طريقة عمل ذات إيقاع سريع، خالية من المماطلة والتسويف، او كثافة الاجراءات الادارية التي كانت بالنسبة لكثير من الحكومات غطاء للتقصير والعجز.
وهذه الطريقة ربما تحقق نقلة تقلل الفجوة بين ما يسمعه الناس عن مخططات للحكومات وبين ما يحدث على الارض؛ طريقة تتفق تماما مع المثل الشعبي "الحط على النار"، بخاصة وان كثيرا من القضايا لا تحتمل التأجيل وادخالها في دوامة الخطط والاستراتيجيات. وكم نتمنى ان تكون اللباقة الادارية والديناميكية التي يتعامل بها الوزراء، وحتى رؤساء الحكومات، هي ذاتها عندما يديرون امور البلاد، سواء تدخل الملك او لم يتدخل.
وادي عربة منطقة من مناطق الاردن، وجزء من اقليم الجنوب المظلوم تنمويا رغم غنى الجغرافيا بالمقدرات والثروات الطبيعية. ويبدو ان هذه المنطقة اصبحت الان المنطقة الاولى في اهتمام الملك. زارها قبل اسبوعين تقريبا، وكان الاجتماع مع الحكومة وسلطة العقبة وجهات رسمية رفيعة قبل ايام لتكون وادي عربة تحت العناية المباشرة، عبر خطة تنموية حقيقية ترفع سوية المكان والانسان، والاهم إنصاف أبنائها.
هذه المنطقة زارها الملك عدة مرات، وتم بناء مساكن للفقراء وحل بعض المشكلات. لكن كل هذا لم يكن كافيا، ولهذا لم تكن القضية والهدف في هذا المجال، بل كان المطلوب توفير خطة تنموية حقيقية للبنية التحتية والخدمات والمشاريع. وهذه الطريقة في التفكير هي الكفيلة بإنصاف المناطق المظلومة، والفئات الاكثر فقرا. فقد عشنا سنوات وسنوات كانت هذه المناطق هدفا للمساعدات والصدقات، وبقيت منسية كأنها ليست من الاردن، واذا ما تم الوصول الى منطقة اكثر إنصافا في وادي عربة، فيمكن تعميم التجربة. وبالمناسبة، فان كلفة إنصاف هذه المنطقة وأخواتها قد لا تصل الى كلفة جسر عبدون التي تجاوزت 13 مليون دينار.
ستكون تجربة إنقاذ وادي عربة وإنصافها تحت الانظار، لانها ان نجحت ستكون أنموذجا كبيرا للقياس عليه وتعميمه. وما دام الملك هو الذي يتابع الملف، فإننا سنشهد نشاطا وديناميكية من الحكومة، وكل الجهات التي ستشارك في هذه الخطة، لكن العبرة في ان يكون نجاح هذا المسار خطوة لتعميمه على منهجية ادارة قضايانا، وإنصاف الجهات المظلومة.
واذا عدنا الى وادي عربة، فقد كانت زيارات الملك الى العديد من قراها تفتح ملفات محزنة. إذ اكتشفنا ان فيها سكانا يعيشون تحت الشجر، والبعض يفتقدون اساسيات الحياة. ونذكر يوم زار الملك قرية المزفر قبل سنوات، إذ تحدثت التقارير الصحافية عن مواطنين بلا احذية!
وادي عربة، نظريا، جزء من دائرة انتخابية، اي لها نواب، وهي نظريا جزء من سلطات الحكومات المتعاقبة، وقربها تمر السيارات الفاخرة للمسؤولين الذين يتجهون الى العقبة، لكنهم يمرون منها ولا يرونها، لان زجاج السيارات مظلل، وهي سيارات مكيفة، واذا تحدث احدهم عن العدالة والوطن كتب القصائد.
وادي عربة ليست اخر مشكلاتنا، لكننا نريد من خلالها ان نوسع دائرة التعامل المنهجي التنموي مع مناطق عديدة تسمى في التقارير "بؤر فقر"، وهي بؤر فقر رغم ان الاردنيين سمعوا اطنانا من الخطابات عن خطط تنمية شاملة، واخرى خمسية وثلاثية وعشرية واقاليم. وما نتمناه ان تمتلك الدولة خريطة تنموية تتحرك من خلالها الخطط والبرامج التنموية، وليس بكبات مساعدات وصدقات.
ومهما كانت الامكانات المتاحة والزمن الذي نحتاجه، فإننا بحاجة الى خريطة تنموية، وبرنامج زمني متتابع او يسير بالتوازي ننتقل فيه من منطقة مظلومة الى اخرى، على قاعدة تأمين البنى التحتية غير الموجودة، ودراسة البنية الاجتماعية، وبناء حالة اقتصادية تنموية وفرص عمل. وهنا لا نتحدث عن تحويلها الى مناطق ثراء، بل إلى مناطق يشعر اهلها بالإنصاف.
وفي محيط هذا الموضوع، يثير الاستغراب، مثلا، ما سمعته من بعض الفعاليات الشبابية في الكرك حول ان استجابة الجهات الرسمية للتوجيهات الملكية خلال زيارة الملك الى الكرك، والخاصة بالمدينة الرياضية، ما تزال ضعيفة رغم مرور شهور وشهور. والمدينة الرياضية كانت واحدة من ثلاثة مطالب قدمها المحافظ واستجاب لها الملك وأمر بتنفيذها.
مرة اخرى، لو ان المناطق الفقيرة والمظلومة، مثل وادي عربة، دخلتها الحكومات وزارها الوزراء خلال العقود والسنوات التي مضت لما كانت على هذه الحال. وما نتمناه على الحكومة الحالية، وكل حكومة قادمة، ان تصل عبر وزرائها الى الناس في كل قرية ومدينة. فلو ادى كل وزير واجبه لكان الامر مختلفا، اما المسؤول الذي يتعامل مع المناطق والمحافظات باعتبارها معلومات ثقافية يخرجها من الكمبيوتر، فليس قادرا لا على إنصاف مظلوم، ولا على خدمة المواطنين، مذكرين فئات من المسؤولين ان المواطنين ليسوا فقط سكان عمان وما حولها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة