قصة قصيرة طريفة استعمت اليها ضمن جلسة مع الاستاذ ضويع المحادين. تقول الحكاية: ان احدى القبائل القديمة كان لها زعيم او شيخ يقسو على الناس، ولا يتعامل مع قضاياهم كما يجب، فضج رجالات القبيلة واجتمعوا يوما وقرروا ان يذهبوا الى زعيم القبيلة ليواجهوه بما يفعل ورأيهم في طريقته.
ذهب الرجال إلى الزعيم، دخلوا عليه، تحدثوا بغضب لا يخلو من الاحترام، لكنهم طالبوه بأن ينهي سياسته الرديئة او يترك زعامة القبيلة، استمع اليهم، ثم تحدث طالبا منهم مهلة عامين فقط، فسأله احد الحضور هل ستغير سياستك بعد عامين، قال الزعيم: لا لن اغيرها، ولكنكم ستعتادون على طريقتي او بالتعبير الشعبي "رح تتعودوا".
وربما نكمل القصة بحكاية كتبتها في هذا المكان، قبل سنوات، وكانت ايضا من احد اصحاب الخبرة من احدى قرى المفرق، كتبتها تحت عنوان "وزير الباذنجان". فهذا الوزير يبدو أنه ممن طبقوا مقولة زعيم القبيلة، اي من الذين تعودوا، ووزير الباذنجان هذا وزير لحاكم من زمن قديم، وفي احد الايام تناول هذا الحاكم مقلوبة باذنجان فأصابه مغص وألم، فدخل مجلس الحكم يشكو الالم، فسأله الوزير عما اكل فأخبره، فقام الوزير خطيبا يشتم الباذنجان ويصفه بأن نبات شرير اسود اللون، ليس فيه اي فائدة او خير، واستأذن من الحاكم ان يصدر قرارا بمنع زرع الباذنجان في الولاية، لأنه نبات لا يستحق ان يسقى من الماء المبارك، او ان يزرع في التراب الطاهر للولاية، وهذا ما حدث حيث صدر الامر واصبح الباذنجان (تنظيما) غير مشروع، وزراعته خروج عن القانون.
مرت الشهور، ويوما من الايام خطر على بال الحاكم ان يأكل مقلوبة الباذنجان، اشتهى هذه الطبخة مع (راسين جاج) (وكاسة لبن)، فاستدعى الوزير وطلب منه ان يأتيه بالباذنجان، فأطلق الوزير رجاله يبحثون في كل المناطق حتى عثروا على رجل خارج عن القانون، ولم يلتزم بأمر منع الزراعة، وهو من الذين لم (يتعودوا) حسب نصيحة شيخ القبيلة، فرح الوزير بهذه المخالفة، فأخذ الباذنجان للحاكم الذي حقق مطلبه وتناول المقلوبة، فانتعش وشعر بالفرح، فخرج الى مجلسه سعيدا، فسأله الوزير عن سبب هذه النشوة والسعادة. فقال الحاكم: انه تناول مقلوبة باذنجان شهية، وانها من الذ ما اكل، وهنا امتطى الوزير صهوة لسانه يمتدح الباذنجان الذي رغم ان قشره اسود الا ان داخله ابيض، وهو نبات فيه كل الفائدة للبشر، ولا غنى عنه لأي انسان.
بالمناسبة وزير الباذنجان هذا قد تعود، فهو وامثاله، سواء كانوا مسؤولين او من عامة الناس، هم الذين يكرسون الخطأ والظلم. فالوزير في موقعه اذا رأى ان من حوله من الحاشية، والامين العام، يمارسون المديح له ويعتبرون كل ما يفعله سليما وانجازا، ولا يجرؤ احد منهم على قول لا او كلمة حق، واذا اجتمعوا معا بعيدا عن الوزير او بعد ان يغادر موقعه تحدثوا عنه بما لم يقله تائب في الخمر.
المثال يتطور الى الوزير مع الرئيس، ومن مواطن يجامل لأن له مصلحة، ومن زوج يتحاشى ضجيج زوجته، فهي سلسلة طويلة نمارسها جميعا، وكل منا له حصة من اخلاقيات الباذنجان، ومن منا كان في موقع المسؤولية في حكومة او حزب او عائلة او قطاع خاص يحب ان يكون من حوله ممن اعتادوا كما قال شيخ القبيلة او على شاكلة وزير الباذنجان، وحتى الهيئات التي تدّعي الديمقراطية وتطالب بالحريات فإنها حين يكون النقد موجها لها ولسياساتها تجد مبررات لتلجم او تعاقب او تبعد من لا يحب ان يتعود، ولا يعجبه نموذج وزير الباذنجان او وزير الزهرة او الفول الاخضر.
بالمناسبة هذه الحكايات صالحة لكل عالمنا العربي، وربما اجزاء في كل العالم، حتى وإن كان ابطالها بلباس أو لغة عربية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة