خارطة المناطق التي تحتاج الى رعاية واعادة اعتبار تنموي واهتمام خدماتي لا تقتصر فقط على المناطق البعيدة في الجنوب والاغوار والشمال، فهنالك ايضا مناطق داخل العاصمة والمدن المحيطة بها يفترض ان ينالها اهتمام وان تصل اليها ليست فقط الجرافات والبنية التحتية، بل الاهتمام بقضاياها والتطور الاجتماعي والسكاني داخلها.
عمان العاصمة ليست مثل دار ابي سفيان من دخلها من الاحياء والجبال فهو آمن، من ضعف الاهتمام والرعاية والخدمات. فهنالك مناطق في العاصمة مثلا نالت خلال السنوات والعقود المتعاقبة اهتماما ورعاية وإنفاقا للاموال، ليس فقط لأن بعضها كان ناشئا حديثا، بل لأن هنالك مجاملة ودلال للمناطق ولسكانها، او لإلحاح من يمكنهم ان يوصلوا اصواتهم الى صاحب القرار.
في عمان هنالك مناطق قديمة لكن ليست اثرية، وهي بحكم الاكتظاظ والبناء غير المنظم والازدحام لا يمكن تغيير شكلها ومسارها، لكن هذا ليس مبررا لعدم الاهتمام بالناس وقطاعات الشباب والاطفال، وليس مبررا لعدم الانتباه الى تراكم المشكلات وتكاثرها. فالبيئات المكتظة والمزدحمة اذا لم توضع في دائرة الاهتمام تتكاثر فيها مشكلات تكلف الدولة اكثر بكثير من الانفاق المنتظم الايجابي. فقضايا المخدرات او العنف او حتى اللامبالاة وربما مشكلات اخرى, كل هذا قد ينتج في حي لا يلتفت المسؤولون الى تطوره السكاني والاجتماعي.
هنالك مناطق في المدن الكبرى لا تنال من الخطط والاولويات الا الشيء القليل، وليس عذرا ان تكون المناطق مزدحمة او مكتظة بالناس، فلكل حالة سكانية او تنظيمية اولويات وخدمة، يمكن ان تقدم لها، لكن المهم ان يمتلك المسؤول عقلية تنموية قائمة على قناعته بأنه امين او رئيس بلدية للجميع. واذا كان الامر مرتبطاً بسياسات حكومية مركزية فالمهم ان يتم الانتباه الى التطورات او الطفرات الاجتماعية والاقتصادية، وإلى المشكلات التي ترافق كل مرحلة. فالمدن تنمو بسرعة كبيرة، والمجتمعات ذات البنية الشبابية او ذات الاغلبية الفقيرة تحتاج الى رعاية خاصة، ولا عذر للحكومات ان تصحو في مرحلة ما لتكتشف تراكم مشكلات او ظواهر سلبية.
"الأقل حظا" ليس مصطلحا خاصا بمناطق في الجنوب او الشمال او الاغوار والبادية، بل لو بحثنا في العاصمة والمدن الكبرى لوجدنا هذا المصطلح ينطبق على مناطق واجزاء، وهذا ما يعيدنا الى فكرة المسؤول صاحب البعد الوطني الذي يعتبر نفسه للجميع، وانه حصة كل مواطن.
الإنصاف يعني منهجية سليمة لدى كل صاحب مسؤولية تقوم على مخطط شمولي للمساحة المسؤول عنها، سواء كانت جغرافيا او ادارة او سكانا، ويكون منصفا اذا قدم لكل جزء ما يحتاجه ويمثل اولوية له.
المسؤول مثل الاب اذا وقع تحت ضغط حب احد ابنائه او نفوذ ابن يصرخ فأعطاه مالا يعطى لغيره فإنه يفقد احدى سمات ومواصفات الابوة. فمقابل وجود ابن مدلل هنالك اخر اصابه الظلم، سواء من حيث الوقت او الحنان او الاهتمام، وفي مثل هذه الحالات لا يتم الحساب على النوايا فالعبرة بالاعمال.
ليس معقولا ان يشتري الاب لاحد اولاده هدايا ويعطيه من وقته وحنانه بينما يقول للاخر انه يحبه مثل اخيه وان ما في داخله من حب وحنان لا يقل عما هو لأخيه، فعندها لن يصدق احد، فالنوايا الحسنة لا تغني عن سوء العمل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة