حين قرأت قبل يومين عن الجائزة التي تم اعلانها والخاصة باسم الكاتب الراحل محمد طملية أحسست بأن صديقي الراحل طملية نهض من قبره النائي في سحاب وحضر اليّ مرة واحدة بشعره الاشعث وذقنه الغير محلوقة دائماً والنظرة الطفولية الزائغة التي لا تستقر على اي شيء محدد بل تظل تتراقص في فراغ الغرفة وبعطسته التي تواكب حديثه. وقواريره التي تظل تحيط به وتحرس رؤاه.
حضر محمد وجلس قبالتي في بيته القديم بالشميساني واعادني الى صعاليكه وابناء السبيل الذين كانوا يطرقون بابه في اي وقت. وكان ذكياً الى درجة انه كان يشعر كل واحد منهم بأنه صديقه الاكيد والوحيد ، وكنت اراقب خطواته المرتبكة في غرف بيته وهو يجلس كل هؤلاء من نومهم داعياً اياهم للخروج كي يتفرغ لكتابة زاويته اليومية تلك الزاوية التي كان يكتبها على ورق الصحف بخط مائل ومنمنم فيه دقة انثوية.
وحينما كنت أجلس بجانبه وهو يكتب زاويته كان يقرأ الجملة التي كتبها للتو ويضحك بصوت عال كي يؤكد على جمالية الفكرة وحينما كان ينتهي من الكتابة كان يستدعي احد اخوته كي يقوم بتسليمه الى مكتب جريدة العرب اليوم.
الى ذلك كان يبدو طليقاً وهو يمتلك الجاهزية العالية لعناق الاصدقاء ومهاتفة معظم الاصدقاء وانتظار قدوم الصعاليك وابناء السبيل العاصمي حيث يتهافتون الى منزله بانتظار الاعلان عن طبخة اليوم والذهاب في انقاشات التهكمية النادرة التي كان يقودها طملية بحرفنة نادرة.
وأذكر أنه كان من الصعب على الراحل طملية أن يترك بعض الاصدقاء وحتى الاشقاء من دون لقب يختاره لهم وقد كان صاحب اللقب يتأفف في البداية الى انه سرعان ما كان يتقبل هذا اللقب بطوعية عجيبة والى الدرجة التي كنّا فيها ننسى الاسم الحقيقي لصاحب اللقب ونكتفي بالمناداة عليه باللقب الذي منحه اياه طملية.
أتذكر محمد طملية صديقي واتذكر كتاباته ذات النكهة المميزة والتي كانت تجمع رجل الشارع مع المثقف النخبوي في طابور قرائي واحد. واتذكر هاتفه الصباحي اليومي لي حين كان ينتهي من قراءة مقالته وهو يتفكه معي ويقول" كيف تلقيت درس الكتابة اليوم" وأضحك ويضحك هو الآخر تلك الضحكة الطفولية الممتلئة بالبهجة.
شكراً للجهة التي اعتمدت جائزة الراحل محمد طملية. شكراً لها لانها أعادت لي صديقي محمد وجعلتني أتأكد من انه قد مات فعلاً.
ياللوحشة يامحمد،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور