المايونيز ليس اختراعا اردنيا، وليس مخصصا لنا نحن حتى "يسقط" حوالي "500" مواطن اردني ضحايا لهذه المادة الغذائية خلال اقل من عام. ولعلنا لن نخترع شيئا جديدا عندما نعلم ان هذه المادة تتحول الى مادة سامة اذا لم يتم تخزينها بشروط صحية، وبعض اصحاب المطاعم يعلمون هذا لكنهم يفضلون المغامرة ولو بأرواح الناس بدلا من التضحية بكمية من هذه المادة، ومن الواضح ان الاقبال على هذه المطاعم مرتفع بدليل مئات الاصابات دفعة واحدة.
الحكاية هنا لا علاقة لها بالشاورما والمايونيز والكاتشب، بل بالضمير الغائب والمستتر الذي لو توفر لاختار كل صاحب عمل الانحياز له بدلا من السعي للربح الاضافي، ونتذكر اننا في الاردن انفقنا مبالغ كبيرة جدا للوقاية من مرض انفلونزا الطيور، لكن اصابتنا من التسمم تفوق حجم اصابات دول عديدة من هذا المرض، فنحن بسبب الضمير الغائب دفعنا ثمنا غاليا من صحة الناس، ودفعت الدولة تكاليف علاج، وحتى التجار تم اغلاق محلاتهم.
الحكاية ليست مع المايونيز. لكن مشكلتنا مع الاستغلال والجشع الذي يضر صاحبه قبل ان يضر الاخرين. حملت صحف أمس خبرا يقول ان وزارة الصحة وجهت كتابا "شديد اللهجة!" الى مديريات الصحة تطالبها بالرقابة المشددة، فهذا الكتاب "شديد اللهجة" سيقمع العبث بالمواد الصحية، ليس على صعيد المايونيز بل تلك المواد المتناثرة في الاسواق وعلى الارصفة وبأسعار تشعر معها ان البائع يوزعها صدقة لوجه الله، وهو احتراف في العبث بتواريخ الانتاج وانتهاء الصلاحية، وتقوم وزارة الصحة بضبط كميات كل بضعة اشهر، لكن من المؤكد ان كميات اخرى يتناولها الناس، وقد لا تكون ألحقت بهم ضررا، لكنها لم تقدم لهم فائدة.
هنالك في اسواقنا غش لا يضر بالصحة، لكنه نوع من انواع السرقة، فقد قرأنا عن بعض تجار اللحم ممن يبيعون لحوما مجمدة مستوردة على انها لحم بلدي، لكن بعد ان يذوب الجليد عنها، وكلما دخلت الى قطاع سمعت من اهل الخبرة منه اساليب الغش والتحايل، والمحصلة اننا امام فئات غاب عنها الضمير وتستعمل كل قدراتها في الذكاء لزيادة ثرواتها.
الحكومات انشأت وزارة للتنمية السياسية لكن يبدو اننا بحاجة الى تنمية اخلاقية، وهذه اصعب من السياسة والاقتصاد! تنمية اخلاقية تجعل كل واحد منا يستعمل ضميره بدلا من تحويل هذا الضمير الى جهاز "لا يمكن الاتصال به"، ضمير يردع المسؤول والتاجر والنائب والمعلم واستاذ الجامعة والسائق والموظف وكل صاحب مهنة اذا ما فكر في اكل مال حرام، او الاعتداء على حقوق الاخرين او خرق للقانون، ربما يرى البعض في هذا اقتراحا خياليا، لكن الى ان نجد حلا لمشكلة "المايونيز" الوطنية فمن حقنا ان نحلم ونقترح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة