هنالك معادلة غير سوية في السوق الاردنية تجعل كثيرا من القرارات الحكومية الخاصة برفع الاسعار والرسوم والضرائب اكثر تأثيرا، بل وأوسع انتشارا من مداها الحقيقي. والاهم، ان كل الجهات تستفيد من هذه القرارات، اما من يدفع الثمن ويلحق به الضرر فهو المواطن المستهلك.
الحكومة قررت قبل ايام الغاء الاعفاء الجمركي على مستلزمات السلامة في السيارات، ثم عادت يوم السبت الماضي فألغت القرار جزئيا، وأبقت الاعفاء على السيارات ذات المحركات التي تقل عن "1600 سي سي". وهنا نتوقف عند آلية اتخاذ القرار. فهل من المعقول ان تتخذ الحكومة قرارا ثم تتراجع عن جزء منه خلال اقل من اسبوع؟ ولماذا لم يخضع هذا القرار للدراسة قبل ان يعلن، بدلا من هذا التردد الحكومي؟ واين هم اصحاب القرار المالي والاجتماعي الذين يدرسون آثار القرارات بدلا من حالة الارتباك؟ لكن مع ذلك، احسنت الحكومة عندما ادركت ان قراراتها سيدفع ثمنها المواطن. فالتاجر سيعدل اسعاره ويزيدها مع كل قرار حكومي ليحافظ على نسبة ربحه، وكل طرف من التجار -ابتداء من المستورد وحتى اصغر تاجر- سيرفع السعر حفاظا على مصالحه، ومجموع هذه الارباح ستكون زيادة على اسعار المواد التي يستهلكها المواطن، والذي يأخذ قرضا او يبيع أساور زوجته لشراء سيارة.
والمشكلة الاخرى انه حتى السيارات المجمركة الموجودة في السوق، سواء في المعارض او في الحراج، كانت ستشهد بعض الارتفاع، وذلك لان المعادلة مختلفة في السوق، ولا رقابة ولا سلطة لأحد على اي عملية استغلال. فالسيارة التي تم دفع جمركها قبل سنوات كان سيرتفع سعرها، والان سيرتفع سعر السيارة التي شملها القرار. وبهذا، يكون لقرار الحكومة اثر واسع يتجاوز حدوده الخاصة بالسيارات التي سيجري ادخالها إلى السوق بعد القرار.
هنالك فوضى واستغلال في السوق؛ فالسعر الذي يرتفع لاي سبب لا يعود للانخفاض، ودائما يدفع الناس الثمن. وكما اشار مدير الجمارك في حوار تلفزيوني قبل ايام، فان قرار تخفيض الجمارك بنسبة 5% على السكر، قبل فترة، لم يترك اثرا على السعر. ولهذا، فالمواطن يدفع ثمن القرارات الحكومية وثمن فوضى السوق، ومحصلة كل هذا ارتفاعات متتالية.
وغياب سلطة الحكومة عن السوق يعني غياب اي حماية للمستهلك، وان السعر الذي يرتفع لا ينخفض. اما ما يقال عن قانون العرض والطلب او المنافسة فهو أمر لا يكاد يرى. ولهذا، فمسار الاسعار، بشكل عام، هو نحو الاعلى، والتاجر يفرض الواقع الذي يريد. واذا زادت الحكومة الرسوم او الجمارك او الضرائب على اي سلعة، ارتفعت أسعار سلع عديدة لا علاقة لها بالسلعة المستهدفة، واذا زادت الحكومة الرواتب ارتفعت الاسعار!
لقد اخطأت الحكومات السابقة عندما انسحبت من اي رقابة او سلطة على السوق، فتركت المواطن يواجه كل استغلال من دون حماية. واضافة الى هذا، دفع المواطن ثمن برامج التصحيح، وثمن ثبات الرواتب، وثمن استغلال جزء من القطاع الخاص لحاجة الناس لاي فرصة عمل، لتكون الرواتب المتدنية، وعدم التسجيل في الضمان الاجتماعي. وبحجة دعم الاستثمار، حصل بعض اصحاب المال والاعمال على امتيازات وارباح واعفاءات اكبر بكثير حتى من التزامهم بالقانون، او تحقيق قيمة مضافة على حياة الناس او الاقتصاد الاردني.
لو كانت القضية فقط في القرار الاخير قبل تعديله او بعده، لكانت المشكلة صغيرة، لكن هذه الحال تنطبق على كل شيء، ولعل ابسط مثال هو اسعار الخضراوات التي قيل في تبريرها الكثير، لكنها شهرا بعد شهر تبقى مرتفعة، وكل لجان الحكومة لن تكون قادرة على تخفيض سعر كيلو الباذنجان الذي وصل الى ثمانين قرشا، او جعل البصل الاخضر يباع بالكيلو وليس بالأوقية، وكأنه فستق حلبي!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة