نشرت الصحف الأسبوع الماضي نقلا عن وكالة الانباء الاردنية قصة عائلة فقيرة تعيش امام امانة عمان في باص قديم، العائلة تأكل خبزا ناشفا مضى عليه ايام، ويوم الاربعاء الماضي استمعت الى متابعة في البرنامج الإذاعي للزميل محمد الوكيل، عن معلومات تحدث بها د. محمود الكفاوين مدير صندوق المعونة الوطنية حول هذه العائلة، والمحصلة أن رب الاسرة يمارس تمثيلا واستغفالا واستغلالا للإعلام؛ فالحقيقة ان له بيتا في بلدته الاصلية يدفع اجرته مقدما كل خمسة اشهر، ولديه دخل يصل الى (300) دينار، وسيارة خاصة يلتزم كل شهر بتسديد (100) دينار من ثمنها.
لا تتحمل الزميلة وكالة الانباء مسؤولية هذا التضليل؛ فالصحافي يكتب عن معطيات يشاهدها، وهذا ما حدث، لكن هذه الحكاية ذكرتني بقصص المحتاجين التي تكتبها الصحف في رمضان، وأتذكر حكاية نشرتها "الغد" قبل عامين عن عائلة محتاجة بائسة في مدينة قريبة من عمان، وبعد ايام كان احد الاشخاص من الثقات يزور اقارب له في نفس المدينة الذين تحدثوا له عن اهل الخير الذين زاروا تلك العائلة لتقديم العون، لكن المهم ان صاحب هذه الاسرة لم يكن محتاجا بل يملك بيتا من عدة طوابق مؤجرة وله دخل لا يقل عن (400) دينار، اما التصوير لوضعه البائس فيجري في غرفة بائسة يختارها لهذه الغاية.
يبدو ان كثافة الحديث عن الفقر ومخزون الخير والعطاء لدى ابناء مجتمعنا جعل البعض يحترف استدراج المال عبر الحكايات الوهمية، ولعل حرص وسائل الاعلام على خدمة اصحاب الحاجات جعل البعض يستغل ذلك للحصول على المساعدات التي تأتي من المحسنين، وهي اكبر بكثير مما يأتي من المؤسسات الرسمية والتطوعية. ومن الواضح ان هؤلاء لديهم خيال تلفزيوني وسينمائي وربما لديهم معرفة بعلم النفس ولهذا يختارون الصورة التي يظهرون بها في باص قديم او غرفة بائسة ويستفيدون من تعاطف الاعلام مع فقر الناس وحاجتهم.
ويبدو ان هؤلاء المحترفين في التجارة يبحثون عن ثراء متوسط ودخل يأتيهم بشكل كبير، وهذا يحرم الفئات المحتاجة ويجعل كل الحكايات محل شك وريبة، ومع تعداد اشكال الاحتيال واستغلال صدق الناس وحماس الاعلام سيقف حتى المحسن محتارا: هل يقدم العون, أم الفقير الذي أمامه مقتدر لكنه يمارس النصب لكسب المال؟
هنالك فقر وفقراء، لكن يبدو اننا امام مرحلة نشوء تجارة الفقر واختلاق القصص والمشاهد المؤثرة، تماما مثلما اصبحت لدينا تجارة التسول. فما نحتاج اليه هو الوضوح والصراحة والمعلومة، مثل تلك التي استمعت اليها من مدير صندوق المعونة، واستمع إليها الآلاف وهو يقدم المعلومات عن حكاية "عائلة الباص"، ولعلنا نحتاج الى تطوير ادوات العون، لتكون عبر مؤسسات قادرة على توثيق الحالات والتحقق من صدقها بدلا من اعطاء الفرص لتوسع دائرة التجارة بالفقر.
يبدو أننا دخلنا في مرحلة تغيرت فيها بعض القيم؛ فنحن مجتمع لم يكن ثريا، ومدننا وقرانا لم يكن فيها اثرياء، فأغلبنا موظفون وعسكر وفلاحون، بل ان الفقر كان اكثر، لكن القيم التي كانت تحكم المجتمع كانت مختلفة، فقيمة الكرامة كانت عند الناس رفيعة، ولم يكن من الممكن ان يفكر احد بتصوير زوجته وأطفاله في مشهد بائس ليحصل على صدقة، او ان يجلس الرجل في الممر وتدخل زوجته الى صندوق المعونة او جمعية خيرية تطلب المساعدة، وغيرها من القيم التي اصابها التغيير لأسباب كثيرة!
لو تذكر كل منا حياته وحياة من حوله لوجد ان احوالنا لم تكن عظيمة! فاللباس موسمي، والحذاء لا يتغير الا اذا فقد كل صفات الحذاء، والطعام بين مجدّرة وشوربة وقلاية، والدجاج اسبوعي، واللحمة للضيوف من العيار الثقيل، وهذه الحال قد لا يقبل بها حملة اسم الفقراء الآن، لكن القناعة والقيم الاجتماعية كانت تجعل هذه العائلات الكثيرة تعيش وكأنها ملوك تمارس الكرم وتعلم ابناءها، لا تستحي من فقرها لكنها لا تتاجر به.
الفقر لن ينتهي من اي مجتمع حتى تقوم الساعة، لكن الخطورة عندما يكون منتجا لقيم وأخلاقيات وأنواع من التجارة والاستغلال والابتزاز.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة