نظريا فإن التحرك السياسي العربي على قاعدة مبادرة السلام العربية يحظى بمظلة شرعية رسمية من خلال القمة العربية، كما انه يجري في ظل شرعية فلسطينية. فحكومة السلطة التي تشارك فيها وتقودها حركة حماس تقوم على القبول بمبادرة السلام العربية واحترام اتفاق اوسلو وملحقاته، وهي التي فوضت رئاسة السلطة بالتفاوض.
لكن الموافقة على المبادرة وحماس الجامعة العربية ووجود لجان متابعة بما في ذلك تكليف الاردن ومصر بالاتصال بإسرائيل لعرض المبادرة، كل هذا لا ينفي ان لكل طرف عربي حساباته الخاصة، ولا يعني ان العلاقات العربية تخلصت من امراضها وحالات التنافس والتصيد. فالامور لا تسير وفق حسن نوايا، ولهذا فيفترض الا يأخذ الحماس الاردن ويقدم نفسه فدائيا لعملية سلام طرفها الاول اسرائيل التي تتعامل بانتهازية ومماطلة وليست معنية بسلام ولا تسوية.
صحيح ان الاردن مؤمن بالتسوية كخيار استراتيجي وانه على قناعة بأنه لا حل الا عبر الحل السياسي، مع ضرورة استثمار الفرص، لكن هذا لا يعني ان نندفع تحت هذا الموقف لندفع ثمنا او لنكون في وضع لا نجد مقابلة الا النقد والاتهامات. ولماذا نحن الذين يتوجب علينا ان نقدم كل شيء بينما دول عربية اخرى تلتزم الصمت وكأننا نقود مصلحة اردنية وليست خيارا عربيا وفلسطينيا؟
في زيارة رئيسة الكنيست دفعنا ثمنا باهظا عبر استهداف وإساءة متعمدة من الجانب الاسرائيلي قدمت الاردن وكأنه يتخلى عن حق العودة او يبيع الحقوق العربية، رغم ان ما قيل من الكذب الاسرائيلي ليس مقابلة صحافية، بل جاء به الإعلام الاسرائيلي كما يزعم من خلال لقاء الملك مع رئيسة الكنيست، وهو لقاء بلا صحافة مما يعني ان الاساءة سياسية ومقصودة.
وعلى الجانب العربي تعامل البعض مع الدعوة الاسرائيلية للملك لزيارة اسرائيل وإلقاء كلمة في الكنيست باعتباره فعلا اردنيا مذموما. واستعاد البعض زيارة السادات الى اسرائيل، ونسي هؤلاء ان العرب جميعا، ومنهم الفلسطينيون، فوضوا الاردن ومصر بالتواصل والاتصال مع الجانب الاسرائيلي.
حتى لو كان العرب ومنهم فتح وحماس اجمعوا على المبادرة العربية وتحمسوا للتفاوض فإننا في الاردن يفترض ان لا ندفع ثمنا باهظا للحالة العربية، ويفترض الا نتحمس في مبادرات نعتقد ان لها شرعية عربية بينما يمارس بعض اعضاء هذه الشرعية تحريضا واتهامات بحق الاردن، ونتحول الى حديث الاعلام ومادة البرامج.
لسنا بحاجة الى تقديم ثمن الحالة الراهنة! ويكون المقابل اساءات اسرائيلية واتهامات عربية. فإذا كان العرب يريدون الاتصال بإسرائيل فليكن اتصالا جماعيا وبوجود امين عام الجامعة ولجنة المتابعة والرئاسة المصرية ورئاسة القمة.
واذا كان هناك ضرورة لخطاب عربي في الكنيست للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي، فليبادر لهذا العرب عبر تحرك جماعي, وليكن خطابا عربيا وليس اردنيا وليقدمه وفد عربي، فحتى لو بادر الاردن استجابة للمطلب العربي والفلسطيني فإننا كدولة سنتحول في ماكنة الإعلام العربي والدعاية الإسرائيلية الى من يبيع ويشتري والى من يفرط بالحقوق العربية!
الواقع العربي الرسمي متخم بالأمراض، واذا كان العرب يريدون الاتصال بإسرائيل فليفعلوا، اما الاردن فعليه ان يعبر عن ايمانه بالسلام ضمن تحرك عربي، لكننا لسنا بحاجة الى ممارسة دور الفدائي، وأن نكون محل نقاش الحوارات والندوات، والدس والغمز واللمز السياسي والاعلامي، بينما بقية العرب الذين يفترض ان يكونوا مع الاردن يتراجعون خطوات الى الوراء.
يفترض ان تكون حركة الاردن مدركة لعدوانية الطرف الاسرائيلي ومماطلته وأمراض الواقع العربي الرسمي.
فالمبادرة عربية والتحرك يجب ان يكون عربيا، واذا كان هنالك ثمن فليدفعه الجميع!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة