خمسة أشهر فقط تفصلنا عن التعديل الذي أجراه رئيس الوزراء على حكومته، وكان هذا التعديل، وفق أغلب التقييمات، غير موفق. ولم يستطع الرئيس ان يعطي حكومته قوة دفع لا على صعيد التخلص من نقاط ضعف الحكومة ولا بإدخال عناصر حقيقية وقادرة على ان تكون اضافة نوعية. فأضاع الرئيس فرصة ذهبية في رفع سوية الحكومة.
واليوم ما تزال بعض الاوساط تتحدث بصوت ضعيف عن احتمالات التغيير الوزاري، لكن اصواتا اكثر قوة تشير الى التعديل وان الرئيس بحكومته سيشرف على الانتخابات القادمة، وانه لا ضرورة للتغيير لان كل انتخابات يتبعها ويصاحبها صخب وغبار سياسي فلتتحمله الحكومة القائمة ولا حاجة ان يحمّل لحكومة جديدة، وكل هذا حديث يستند الى مصادر ومعلومات يعتقد كل طرف انها موثقة.
اذا كانت الحكومة باقية فإن السؤال: لماذا يكون التعديل الوزاري؟ وما الضرورة لعملية تذهب بوزراء وتأتي بآخرين ما دامت الحكومة سترحل مع بدء عمل مجلس النواب الجديد في تشرين الثاني القادم، اي ان العمر المتبقي لها في الحد الاقصى (7) أشهر؟
فهل التعديل يأتي اعترافا بأن الحكومة بتركيبتها الحالية ضعيفة وغير قادرة على إجراء انتخابات بلدية ونيابية؟ ام ان التعديل تريده الحكومة "لتجرب" اسماء جديدة وتعوض ما لم تستطع القيام به في التعديل الاول؟
الاستنتاج الاول يقول ان اي تعديل سيستهدف الوزارات المعنية بالعملية الانتخابية مثل الداخلية والبلديات، لكن لماذا لم يتم الامر في التعديل الاول؟ وماذا لو جاء التعديل المرتقب على حقائب لا علاقة لها بالوزارات الانتخابية، ونحن جميعا نتوقع رحيل الحكومة بعد أشهر، اي انها اشبه بحكومة لفريق اعمال، حتى وان كانت المدة لبضعة أشهر، وامامها مهمتان واضحتان صعبتان: البلديات وانتخاب مجلس النواب الخامس عشر.
يبقى السؤال: هل هناك حاجة الى تعديل ام يمكن للحكومة ان تعيد ترتيب اوراقها بحيث يكتمل مشوارها من دون الحاجة الى وزراء جدد؟ نقول هذا لان الحكومة اثبتت ضعف قدرتها على استثمار فرصة التعديل. فاذا كان التعديل سيتم وفقاً للمنهجية والاسس التي تم فيها التعديل الاول فلا ضرورة لكل الضجة وحلف اليمين ومنح الالقاب للجدد ونزعها عن بعض الموجودين.
التعديل، نظرياً عملية سياسية مهمة، تسبقها دراسة وتقييم للفريق القائم وتحديد نقاط الضعف، ثم البحث عن البدائل القادرة وصاحبة الكفاءة، لكن ما تفعله الحكومات لا علاقة له بهذا، لهذا يخرج احيانا من لديهم القدرة ويدخل من ليس لديه شيء جديد، وربما ممن سبقت تجربته، لهذا فمع تعاقب الحكومات نشأ ما يمكن تسميته "وزراء الصدفة" او اللحظة الاخيرة!
لقد تحول التعديل عبر الحكومات من عملية سياسية ذات قيمة الى فرصة لتشعر الحكومة انها مستمرة وان شبح الرحيل بعيد، وبحكم تجارب الاردنيين فإن كل رئيس يعمل ما يراه يحقق مصلحة حكومته وما يخفف عنه الضغط السياسي من دون ان يكون هذا بالضرورة يعني عملا سياسيا منهجيا يمكن فهمه وتفسيره وفق المنطق والمعادلات السياسية.
ما نخشاه وربما ما يجري الحديث عنه ان التعديل يشمل وزراء ممن دخلوا في التعديل الاخير، وان حدث هذا فقد يكون ايجابيا من جهة لانه يخلص الحكومة من عبء حملته ولم يقدم لها شيئا، لكنه من جهة يؤكد على ضعف القدرة على التقييم في اخراج الوزراء او اختيار البدلاء. وفي المحصلة: فان كل هذا متوقع مع غياب المطبح السياسي وغلبة العوامل الشخصية بدلا من الاسس المؤسسية، وهذه ليست مشكلة هذه الحكومة فقط بل حكومات سبقتها وربما حكومات ستتبعها.
لا يكفي ان يكون الرئيس صاحب نوايا حسنة، او لديه نظافة يد او حس وطني رفيع، او حتى رغبة في العمل المثمر، فان هذا لا يكفي اذا غابت الادوات والفريق القادر والخبرة، واذا كان لهذه الحكومة خصوم - وهذا موجود مع كل حكومة- فإن السلاح الحقيقي لاي خصوم او خنادق المتربصين هو الاداء الضعيف او تضييع الفرص او زلات اللسان.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة