المخزون الثقافي وعادات المجتمع تعطي مكانا للطعام في تكوين معايير المجتمع ونظرته للناس، وربما كان نوع الطعام احد التعبيرات عن (الوزن) الاجتماعي للأشخاص، ومن هذا القبيل المصطلحات المستخدمة في العديد من القرى والبوادي كـ"ضيف لحم"، وهذا وصف لأشخاص لهم قيمة ومكانة في المجتمع، فإذا كان هذا الشخص ضيفا فلا يجوز تكريمه ومنحه اعتباره الذي يستحق الا عبر تقديم اللحم له، واللحم هنا بلدي اي من (حلال) صاحب البيت، وذلك قبل ان يتحول اللحم الى مادة متعددة الجنسيات ما بين البلدي والصيني والاسترالي والبلغاري والروماني..، حتى يخيل للشخص انه في كأس العالم او الامم المتحدة وليس في ملحمة.
"ضيف اللحم" احدى صيغ تقييم المجتمع للاشخاص لهذا يخجل المعزّب ان يقدم له دجاجا. وقديما كان ذبح الخروف او الجدي ليس امرا خاصا بصاحب البيت؛ فكل الحي في القرية او البادي يأكل من هذا اللحم او يشرب من شوربته.
ومواسم التقييم مختلفة لكنني اذكر مقولة عن احد الناس قيلت في مجلس كان الحديث فيه عن انتخابات نيابية ومرشحين، فذكر امامه احد المرشحين ممن ليسوا من المؤهلين، فقال هذا الرجل ليذهب فلان اي المرشح الى اي بيت فإذا قدم له احد (بيضتين مقليتين) فأنا معه، وهذا التقييم يمكن استخدامه هذا العام ونحن في موسم انتخابات البلديات والنواب.
وحتى ونحن نذكر التاريخ فإن للطعام معيارا في اطلاق الاحكام. فحاتم الطائي لا يعرف الكثيرون من حكايات كرمه وجوده الا قصة ذبحه لحصانه عندما جاءه الضيوف، ومن المؤكد انه لا يعرف قيمة ضيوفه لكنه قدم حصانه وكل ما يملك تقديرا لاخلاقياته وكرمه.
ولعل اسوأ انواع التقييم والتقويم هو ما يمارسه الشخص او الجهة بحق نفسه او عبر انصاره ومحبيه، ولهذا كان المثل الشعبي واضحا وقاسيا في التعليق على هذا النوع من التقويم عندما قال "القرد في عين امه غزال"، وهذا ذم للتقويم الذاتي غير الموضوعي. ومن اشكال هذا التقويم ذلك النوع الذي يتحول فيه شخص او جهة من وزنه العادي الى وزن كبير بالصدفة، او وفق معايير غير موضوعية، فيصدق الشخص او الجهة انه اصبح "ضيف لحم"، وانه اكتسب مواصفات ومضامين، ولهذا يتصرف كأنه شخص عظيم مع ان الصدفة لا تصنع عظماء او رموزا ولا هيئات قوية.
لو تحركت ذاكرة الجميع بين القوى الموجودة على الساحة السياسية لوجدنا ان كثيرا منها تعيش على وهم تصنعه هي ولا يصدقه احد. فالبعض قد يصدق انه زعيم حزبي رغم انه ليس امينا عاما الا على بضع عشرات، لكنه بحكم الوهم الذي يحاول تضليل الناس به يتحدث وكأنه رمز للجماهير وكأنّ اعضاء حزبه عشرات الآلاف، وحين يكتب بيانا يتحدث باسم الجماهير والشعب.
ولو توقفنا عند القائمة الطويلة من الوزراء ورؤساء الحكومات عبر تاريخ البلاد لعرفنا كم هم الذين لا يعرفهم الناس ولم يسمعوا بهم لأنهم لم يتركوا بصمات حقيقية، فالبعض لم يدخل الموقع بمواصفات، وعندما اتيحت له الفرصة لم يترك على الموقع بصمة وإنجازا، لكن الناس تذكر او على الاقل تسمع بالرجال الذين يمكن ان يقال عنهم بأنهم "ضيوف لحم"، رغم ان الكثير ممن جاؤوا بعدهم او قبلهم اكلوا كميات كبيرة من اللحوم الا انهم ليسوا "ضيوف لحم" كمعيار للتقييم والمكانة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة