قبل أيام قضيت والزميل جميل النمري ساعات النهار بمعية وضيافة عدد من شباب ووجهاء الاغوار الجنوبية في منطقة غور الصافي، ورغم ان الحديث كان معظمه حول الانتخابات البلدية والنيابية إلا أنني استمعت إلى معلومة هامة تقول إن الشركات التي تعمل في مناطق الاغوار جرى منذ عقود تصنيفها خارج حدود البلدية، وهذا يعني حرمان البلدية من مئات الآلاف من الدنانير سنويا هي حقوق للبلدية تفرضها القوانين والانظمة، وهذا الاستثناء لهذه الشركات ومواقعها من الدخول في حدود التنظيم كان نوعا من الخدمة لها يوم ان كانت شركات حكومية، وكانت تلك الشركات (تتبرع) للمؤسسات والهيئات الرسمية والشعبية، لكن ما كانت تقدمه هذه الشركات كان بمثابة (صدقة) على المجتمع المحلي، وهي تبرعات ليس بالضرورة ان تكون منتظمة او ذات قيمة، ومع كل (تبرع) كان على ادارات الجمعيات او البلديات او أي جهة ان تحمل رسائل المناشدة وتذهب الى إدارات الشركات تطلب العون وتوجه كتب الشكر، وهذا طبيعي لانها تأخذ (كرما) من الشركات.
وعندما تغيرت بعض الأحوال وتم بيع بعض هذه الشركات وجاءت ادارات أجنبية تغيرت مقادير التبرعات، وبعضها ضيق، والبعض انخفض، فهذه الادارات ليست ملزمة بالدفع، ولا احد يستطيع ان يحدد لها قيمة معينة، فإن قدمت شيئا فهذا كرم وفضل وإلا فلا شيء يلزمها.
والحكومات التي حولت حقوق المنطقة الى كرم من الشركات ظلمت هذه المناطق، والحكومة الآن مطالبة بادخال أراضي ومناطق هذه الشركات داخل حدود التنظيم، وهي مبالغ تصل الى مئات الآلاف، فهذه الشركات الآن مملوكة لجهات خاصة محلية واجنبية، وبدلا من ان تكون التنمية هناك بنهكة خيرية او على شكل كرم وصدقات فتلكن بشكلها الحقيقي حقوقا قانونية.
ولعل للعديد من مناطقنا سواء في الاغوار الجنوبية وغيرها حقوقا تحتاج الى تحصيل، وهي المترتبة على الأذى البيئي الذي تسببه هذه الشركات، وما يلحقه هذا الاثر البيئي من اضرار بصحة الناس، واحيانا كنا نسمع من بعض الشركات قولها انها تتبرع بمبلغ لبلدية المدينة التي تقيم فيها، ويبدو المشهد وكأنها صاحبة فضل بينما ما تلحقه مخلفات الصناعة من امراض وتلوث لا تعوضه الملايين.
وفي خضم الجدل حول الخصخصة والاصلاح الاقتصادي اتذكر مقولة هامة قالها د. حسين المحادين، قبل اسابيع خلال نقاش حول تنمية المناطق البعيدة، بأن هذه المناطق ليس فيها لا قطاع خاص ولا عام. فالقطاع العام موجود عبر دوائر ومؤسسات حكومية تقدم الخدمات، وليس هناك قطاعات تنموية اقتصادية يديرها ويملكها القطاع العام، اما القطاع الخاص فهو قطاع فردي في معظمه لاصحاب الدكاكين والمحلات والمؤسسات الفردية، لكن القطاع الخاص القوي القادر على احداث نقلات تنموية ما زال شبه غائب، ولهذا تبقى عيون الناس دائما على الدولة في البحث عن الوظيفة والخدمة او الهجرة الى عمان للبحث عن وظيفة قد لا تكفي لأجرة بيت وثمن طعام وشراب وفواتير.
أحيانا تكون مساعدة المناطق المظلومة تنمويا تتم بشكل خيري، حتى وان كانت عبر أعمال اقتصادية، وحتى الناس تستقبل بعض هذه المبادرات على أنها صدقات وكرم وتبرعات، وربما هذا ناتج أيضا عن ممارسات رسمية كانت تطلب من الناس ضمنا ان ينظروا إلى ما تقوم به الدولة من دور وواجب على أنه عمل خيري وكأنه "تبرع" من الحكومات، وليس حقا للناس على حكوماتهم وضرورة، ولهذا كان مطلوبا ان يكون الفرح لكل شيء، حتى لو كان حجر أساس لا يكتمل بناؤه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة