ما بين التواصل والتعايش اليومي او التواصل المتباعد، هنالك علاقة بين المواطن وصحن الحمص والفول والفلافل. بعضنا يمارس عملية "تعاطي" دائمة لهذا الطبق، مرة او اكثر في اليوم؛ صباحا في الصحن، ومساء من خلال الساندويش. وهذه الساندويشة تكون نوعا من الدلال، او جزءا من عملية تنزه. وبعضنا يرى صحن الحمص بين اطباق كثيرة ضمن المقبلات، لكنها علاقة وثيقة بين اصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
وصحن الفول قادر على حل مشكلة الغذاء اليومي في اي من الوجبات الثلاث. ويمكن للشخص ان "يمشي" ست ساعات من طاقة هذا الصحن، وبخاصة اذا كان كامل الاوصاف.
وهذه الثقافة، اي ثقافة الفول والفلافل والحمص، ليست خاصة بالاردن، بل هي جزء من ثقافة شعوب عربية كثيرة وعديدة.
لكن حتى هذا الصحن انقسم الى فول وحمص شعبي وآخر برجوازي! وفي عمان، وضمن مسافات غير متباعدة، يمكنك ان تشتري ساندويشة الفلافل بثلاثين قرشا، وهي الساندويشة العادية من دون أي إضافات. ونفس الساندويشة تجدها في منطقة أخرى بـ15 قرشا واحيانا بـ20 قرشا؛ مع ان فلافل الساندويشة الرخيصة ونوعية الخبز اكثر جودة، لكن اسم الشارع الذي فيه المطعم هو الذي يحدد السعر!
وفي عمان، يمكنك ان "تتعاطى" صحن فول مع كاسة شاي ورغيف خبز بستين قرشا؛ ويمكنك ان تدخل مطعما انت وصديقك او زوجتك فتطلب صحنين مع الشاي والخبز وصحن فلافل وتدفع حوالي 5 دنانير! والمشكلة ليست في النوعية، بل في التفاصيل والاسعار. ففي مطاعم يقدم لك الماء، وحتى صحن مقبلات مجانا، فيما يكون كل شيء مدفوعا في مطاعم اخرى؛ فالماء بسعر سياحي، ومن المؤكد ان اكل الفول والفلافل غير ممكن من دون ماء. وحتى كأس الشاي سعره متفاوت في نوعين من المطاعم.
في المحصلة، نحن امام حمص وفول برجوازيين، فهل هذا ضريبة برجوازية المكان، او طبيعة الزبائن، او ثمن الديكور وأجرة المكان؟ في النهاية، المعنى ان هذا الصحن يتسلل من مكانته الشعبية وسعره الاعتيادي، لتصبح تكلفة صحن الفول وكأس الشاي، وتوابعهما، تقل قليلا او تزيد عن دينارين.
في تعبيراتنا، من يشتكي ضيق اليد يقول انه "تغدى على صحن فول"، لكن هذا التعبير لم يعد ينطبق على كل المطاعم، لأن ما تدفعه ثمنا لهذا الطبق وتوابعه قد يؤمن لك وجبة غذاء معقولة في بعض المطاعم، ووجبة سندويشتي فلافل عادي اصبحت تكلف 60 قرشا، وحبة الفلافل اصبحت لدى بعض المطاعم تباع بقرشين ونصف، بعد ان كانت الحبة بتعريفة، ثم قرش، ثم كل اربع حبات بخمسة قروش؛ اي ان هذه المواد الشعبية قد تكون احد مقاييس تكلفة المعيشة وما طرأ عليها خلال السنوات الاخيرة.
ما زالت هذه الوجبة الشعبية تحتفظ، في كثير من المطاعم، بأسعارها المعقولة، رغم كل الارتفاع الذي طرأ عليها خلال السنوات الاخيرة؛ لكن الخشية ان يصل داء السعر المتزايد من دون حساب حد ان تصبح وجبة غير شعبية؛ فمن يأكلها لغايات المتعة يختلف تماما عمن يتعامل مع الحمص والفول والفلافل باعتبارها طبقا دائما، او باعتبار سندويشة الفلافل الطبق الرسمي في رحلة رفاهية في الليل. لكن على هؤلاء ان لا يخطئوا فيدخلوا حيث الحمص البرجوازي، وإلا دفعوا ثمنا للسندويشات اكثر مما يمكن ان يدفعه لو اشترى أحدهم دجاجة وقدمها لأطفاله كوجبة دسمة في البيت.
الحكومة اتخذت قرارا ايجابيا قبل ايام بإعفاء المأكولات الشعبية من ضريبة المبيعات، لكن ما تعودناه من السوق والتجار هو ان السعر الذي يرتفع لا يعود الى الانخفاض، وربما يبقي بعض هذه المطاعم الضريبة على الناس؛ فالمواطن لن يتوقف طويلا عند سعر صحن الفول او حبة الفلافل او الساندويشة قبل الاعفاء او بعده. لكن واجب الجهات الرسمية ان تجعل من قرار الاعفاء حقيقيا يطبق، وليس اضافة جديدة على الربح.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة