كشف انتشار وباء انفلونزا الخنازير في أكثر من عاصمة عربية عن طبيعة أُمية في تعامل الدول العربية مع هذا الوباء. وهذا يعود اصلاً الى أن هذه الطبيعة التي تتعامل مع الكوارث والمصائب تقوم على اساس المبدأ "التجريدي" الذي ينزع من عين المسؤول والمواطن العربي فكرة المشاهدة الواقعية لمثل هذا المرض. وتحويله الى حدث يبدو وكأنه يحدث في قارة أخرى وربما في كوكب آخر.
ففي الوقت الذي يعلم فيه الجميع ان هذا المرض مكانه الخصب هو التجمعات والازدحامات فان مامن مسؤول عربي تنطح وطالب بتأجيل مثل هذه التجمعات او منعها. وأقرب مثال لذلك هو موسم الحج لهذا العام ، وبهذا الخصوص نحسب لبعض الدول العربية التي سارعت في وقت مبكر بالمطالبة باصدار فتوى لتأجيل الحج لهذا العام بسبب احتمال تفشي هذا المرض بين الحجاج الذين يزيد عددهم في كل عام عن المليون حاج. الا أن الموضوع تم دفنه وتجاوزه واكتفت دور الافتاء بهذا الخصوص على منع حجاج هذا العام من تقبيل الحجر الاسود.
وهنا علينا أن نتساءل عن الفتاوى التي تطير فوق رؤوسنا في كل مناسبة متعلقة بالتكفير مثلما نتساءل ايضا عن هذه الفتاوى التي تركز على المسائل السلبية وتفتي فيها وتتجاوز الافتاء في المسائل الايجابية التي هي لصالح كل المسلمين في ارجاء المعمورة.
ومن جانب آخر فقد بُح لون الحبر الاعلامي العربي وهو يطالب بتعليق الدراسة لمدة تجنب طلابنا الاصابة بهذا المرض الخطير لكن وزراء التربية العرب تجاوزوا مثل هذه المطالبات واعتبروا ان المساس بزمن السنة الدراسية يقارب المساس بالمقدس. وها نحن نقرأ في كل يوم عن ازدياد وتفشي هذا المرض في المدارس الى درجة تعليق الدراسة فيها. والتباري بالتصريحات المطمئنة.
ان التعامل مع مثل هذا المرض الخطير بهذه الليونة وهذا الاستهتار على اعتبار انه من الامراض النائية التي لن تقترب منّا يؤكد ما قلته اننا مازلنا نتعامل مع الكوراث القادمة الينا بعين تجريدية لا ترتقي الى مستوى الاحساس بالمسؤولية اتجاه مواطنينا.
ان هذا المرض الذي جعل العالم يقف على رجل واحدة وهو يُجيش العلماء كي يخترعوا اللقاح الترياق ولم يجدوه بعد يتطلب منّا الاحساس بمسؤلية اتباع القول العربي درهم وقاية خير من قنطار علاج. لكن ما من احد يسمع والحبل مازال على الجرار في الاعلان عن الاصابات الجديدة والفرح باطلاق التصريحات.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور