غرفتها غارقة بالضوء، بلا ظلال. وغرفتهُ المقابلة لغرفتِها في المبنى الثاني، على الناصية، غارقة بالظل ونورها باهت.‏‏‏

لمَحَتهُ يدخل غرفته، أو هكذا خُيلَ لها، فواربتْ، وانسلتْ من بقعة الرؤية إلى الطرفِ المستور من الغرفة. فكرتْ، لو أنها سارتْ من مكانها غير المنكشف إلى وسط الغرفة لبانتْ له من خلفها، على طولها، ولحسبَ أنها لم تره، وأن مشهدها سيبدو عفويا.. وهي تدرك كم هو رائع لعيني رجل مشهد انثى تخطو بعفوية وتكاسل في مكانها الخاص.
خلفها، ما يزال المشهد الغارق بالنور بلا ظلال، وكان بإمكانها أن تتخيله يراها، وهذا ما كان يغمرها بإحساس بهيج رفد جسدها بارتجاف هين. لابد أنه التمس مكانا يحجب جسده دون عينيه. هكذا تخيلتْ، وهكذا امسكتْ بطرفي قميصها السماوي المونس بكلتا يديها ونزعته عن جسدها برفق. بسطت صدرها فأحستْ بنفرة سطحه الأسيل. مالتْ قليلا نحو النافذة لتبدي طرفَ نهدها.
عرفتْ أنَّ بعضا منه تتخطفه عيونٌ سوداء مذهولة.. عرفتْ كيف تجلبُ ذهوله الذي تقصده وتنتظره. ودَّتْ لو تستدير وتهب انوثتها المتبرعمة للعيون المتخفية.
لكنَّ لحظات النهاية قد حانت، فقد انقضى زمن المشهد الذي مِنْ طبيعته أنه يسكنُ الثواني واللحظات. تناولتْ من درج خزانتها قميصَ نومها الأسود الشفيف ودسته في رأسها وجعلته ينزلق، ببرودته، كالموجة ليسدل حجابا على جسدها الحنطي. وهرعتْ لتوها نحو ركن الغرفة المستور وغرزتْ أصابع يديها في شعرها بإنتشاء وتركته يتدرج نازلا كالموج مع زفيرها الهانيء.
القتْ نفسها على الكنبة قرب النافذة، ودسَّتْ عينيها من خلف شق الستارة النحيل فلم ترَ الصورة التي رسمتها في خيالها، ووهبتها جسدها الأسمر الأسيل، بل رأت فراغا باردا يطوقه ظل المكان. رأتْ خرابا، وزمانا تصدأتْ السنون على أديمه وأطرافه. وعندما كان لابد من أن تفيقَ من نشوةِ الماضي البعيد زفرت بإنكسار، ومضت لتصادفَ مرآتها فتلمَّسَتْ غضونَ وجهها الذي عجنتة أصابع الزمن.‏‏‏

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب