من يقرأ فقهيات عصر النهضة والتثويرات التنظيرية فيما يخص المجتمعات التي كانت تتشكل فيه مثل هذه التنظيرات سيمسك بالعين المجردة كتابات كانت تحض اليهود على الخروج من "الغيتو" الذي يعزلهم عن التفاعل الحقيقي مع المجتمع الذي يعيشون فيه. والمطالبة باندغامهم الكلي في هذه المجتمعات. وقد ظلت هذه المطالبات قائمة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية واحتلال فلسطين فصار اليهودي يتخفف من هذا الـ "الغيتو" بسبب انه اصبح له وطن توراتي يعيش فيه بدون الاسوار القزمة لحدود "الغيتو".

لكن من قال أن الذي يحمل عقدة تاريخية يمكن له ان يتخلص منها بهذه السهولة فالبرغم من اقتلاع الشعب الفلسطيني وبذره في المنافي ظلت الشخصية اليهودية على مستوى التجمعات وتشكيل المدن والمستوطنات داخل فلسطين المحتلة تعيش العقلية البنائية لتشييد "الغيتو". ففي الوقت الذي تجلت فيه عقلية ال "الجيتو" باقتراح اقامة الدولة اليهودية كوطن عرقي لليهود وطرد ماتبقى من المواطنيين العرب داخل فلسطين لتصبح فلسطين بكاملها "حارة" يهودية جعلت عقلية الجيتو تسعى الى اقامة الجدار العازل بحجة الامن الاسرائيلي والحفاظ على اليهود من هجمات الفلسطينيين. هذا الجدار الذي اقتلع العالم من مدنيته واعاده الى حظيرة القلاع والاسوار المحكمة.

والمشكلة البنائية لعقلية "الغيتو" لم تتوقف كعقدة يمكن تحقيقها على سطح الارض الفلسطينية بل ثمة تجليات للعقدة أخذت تذهب الى باطن الارض الفلسطينية من خلال الحفريات التي تقام وبشكل خاص في باطن مدينة القدس بحيث يتم الآن اقامة مدينة بكامل دسمها التوراتي تحت ارض المدينة المقدسة.

وما كشفت عنه "مؤسسة الأقصى للوقف والتراث" امس الاول عن ماقامت به سلطات الاحتلال بشق نفق جديد تحت بلدة سلوان غربي مسجد عين سلوان وصل طوله حتى الآن الى اكثر من "120" مترا وبارتفاع "3" امتار ويتجه النفق شمالاً باتجاه المسجد الأقصى. كل هذا يؤكد ان الشخصية اليهودية صارت مبدعة حقاً في الاستجابة الى عقدة الجيتو التي لازمت الشخصية اليهودية عبر التاريخ لا بل اصبحت هذه الشخصية مبدعة حق في الاستجابة الى مثل هذه العقدّة وتحقيق احداثيات جديدة في تمظهراتها. والا ما معنى أن يفكر شعب باحتلال بطن مدينة بالحفريات.

انها عقلية "الغيتو" التي تغذي هذه الحماقات في الاقامة فوق سطح الارض وباطنها في وقت واحد. ولعل هذا يستدعي ان يقوم فقهاء التنظير الفكري العالمي بدراسة هذه العقلية التي مازالت تنهل من مناطق غبية في االتاريخ الانساني.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور