حق العودة احد المفاصل الهامة في الصراع العربي الصهيوني، فنقيض العودة التوطين ومرادفها تكريس الاحتلال والاعتراف بحق كيان الاحتلال بالاستيلاء على الارض والمقدسات.
نظريا لا خلاف على حق العودة، لكن اذا دخلنا في التفاصيل فسنجد ان هناك الكثير مما يجب الاتفاق عليه، وهنا نتحدث عن النخب والمجموعات السياسية وليس عامة الناس، فنحن في الاردن مثلا شهدنا ما يشبه الازمة على خلفية تصريحات كاذبة نسبتها صحف اسرائيلية للاردن حول حق العودة، لكن يبقى الامر الهام ليس في المواقف العامة بل في كيفية ادارة هذا الملف المهم الذي لا يعد ملفا عربيا او فلسطينيا فقط، بل فيه اطراف دولية اضافة الى كيان الاحتلال.
هنالك قرارات دولية تدعم حق العودة، لكن هنالك عدو غاصب عمل، ويعمل، اكثر مما يقول على التشريد والتهجير وصناعة وقائع تجعل حق العودة حقا نظريا. فإسرائيل لا ترفض حق العودة عبر الكلام فقط، بل تسخر كل مسارات الواقع الفلسطيني والعربي والدولي، ولهذا فالحفاظ على حق العودة يفترض ان يأتي بذات الأساليب وبنفس القوة والفعالية، اما اذا كان البعض من النخب والمجموعات السياسية والدول تعتقد ان قضية كبرى مثل هذه تواجه بالبيانات والندوات والتصريحات، بل وتحويل القضية الى جزء من المانشيتات السياسية، فهذا يعني ان كل ما نفعله لا يختلف عما فعلته الامة عندما كانت ترسل التهديدات والخطابات في مواجهة الاستعدادات الجدية والحرب فضاعت الارض، ومع ذلك بقينا نخطب ونصدر القرارات.
هل نريد "حق العودة" باعتباره حقا نظريا؟ ان كان هذا هو المطلوب فهذا لا يزعج اسرائيل، وإذا اعتقدنا ان تحويل هذا الملف السياسي الى عواطف جياشة وجلسات ذكريات ومادة للندوات بينما نمارس على الارض نواقض حق العودة، لأن "دفن" القضايا الكبرى لا يتم بسهولة، فإسرائيل لا تتوقع من العرب والقوى الفلسطينية والسلطة ان تعقد مؤتمرا صحافيا وتعلن فيه انها اسقطت حق العودة، فهذا لن يحدث، لكن ما يحدث ان العديد من النخب والقوى تمارس ما ينقض حق العودة عمليا.
المحتل الصهيوني يعلم ان الوقائع التي نتجت منذ اول تهجير عام 1948 اقوى من القرارات الدولية، وان استجابتنا جميعنا لهذه الوقائع يجعل من حديثنا عربا وفلسطينيين نخبا وتنظيمات ودول اقوى من غضبنا النظري. فالمحتل يعلم ان دمج وتوطين اي فلسطيني في اي هوية سياسية اخرى وتحويله الى جزء من منظومة السياسة وتفاصيل تلك الحياة نقيض حقيقي لحق العودة.
الكبار الذين يهربون بأولادهم وعائلاتهم الى عواصم عربية عند كل انتفاضة في الداخل، ويعيشون في الفلل والقصور، بينما توجد ارصدتهم واعمالهم في الخارج، ثم عندما يتولون مناصب في الداخل يمارسون الدفاع النظري عن حق العودة، كيف يمكن ان نصدقهم او يصدقهم عامة الناس من الفلسطينيين او غيرهم.
حق العودة ليس فرقة دبكة تراثية في صالات الافراح او كتاب يسجل وقائع ندوة في فنادق عمان او بيروت، بل هو قناعات وممارسات. فالسياسي والحزبي الذي تحول برنامجه الى مقاعد نيابية في عمان، او عضوية لجنة او غيرها من مكونات الهوية السياسية والوطنية غير الفلسطينية، هؤلاء علاقتهم بحق العودة مثل جلسات المساء التي نستذكر فيها خبز الطابون والسمن البلدي وأصوات العصافير في القرى، لكن ما يواجه خبث وسياسات الاحتلال اكبر من ذلك بكثير، فالتحدي ليس ان نتحدث عن حق العودة، بل ان نمارسه عبر برنامج حقيقي، فمن يغضب ويزعل ويبحث عن الواسطات ليبقى خارج فلسطين وهو يحمل هويتها ويكون همه الحصول على اقامة او جنسية ليس معنيا بحق العودة، لكن الفلسطيني الذي نشاهده هنا يتمسك بأرضه ويخرج من بيته الذي يهدمه الاحتلال الى مغارة ليبقى في فلسطين هو المدافع الحقيقي عن حقه في العودة.
مرة اخرى المشكلة ليست في عامة الناس، بل في دولنا وأحزابنا وقوانا السياسية عربيا وفلسطينيا، فمن يصبح همه وبرنامجه زيادة عدد النواب الفلسطينيين، مثلا، من المؤكد أنه ليس مسكونا بحلم العودة، حتى وإن قال كل الكلام الجميل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة